ذلك ونسبت قدرته إلى الكل على السوية ، وجب أن يكون قادرا على الكل ، وإذا ثبت أن اللّه قادر على كل الممكنات فلو قدرنا قادرا آخر قدر على بعض الممكنات ، لزم وقوع مقدور واحد بين قادرين من جهة واحدة ، وذلك محال ؛ لأن إما أن يقع بأحدهما دون الآخر وهو محال ؛ لأنهما لما كانا مستقلين بالاقتضاء فليس وقوعه بهذا أولى من وقوعه بذلك أو بهما معا ، وهو أيضا محال ؛ لأنه يستغني بكل واحد منهما عن الآخر ، فيكون محتاجا إليهما معا وغنيا عنهما معا ، وهو محال ، فثبت بهذا أنه لا يمكن وقوع ممكن آخر بسبب سوى قدرة اللّه تعالى ، وهذا الكلام جيد ، لكن على قول من لا يثبت في الوجود مؤثرا سوى الواحد ، فهذا جملة ما في الباب .
( اعلم ) أنه تعالى لما بين في السماء أنه بناها ، بين بعد ذلك أنه كيف بناها ، وشرح تلك الكيفية من وجوه :
( أولها ) : ما يتعلق بالمكان ، فقال تعالى :
رَفَعَ سَمْكَها
[ النّازعات : الآية 28 ] .
واعلم أن امتداد الشيء إذا أخذ من أعلاه إلى أسفله ، سمي عمقا ، وإذا أخذ من أسفله إلى أعلاه ، سمي سمكا ، فالمراد برفع سمكها شدة علوها ، حتى ذكروا أن البعد بيننا وبينها مجهول ، وأظن أن أقربها إلينا يكون بعده عنا أقله مائة ألف مرة قدر بعد الشمس عنا ، وبين أصحاب الهيئة مقادير الأجرام الفلكية وأبعاد ما بين كل واحد منها وبين الأرض ، ( فعطارد ) يبعد عن الشمس ثلاثة عشر مليونا وواحدا وستين ألفا من الفراسخ كل فرسخ ثلاثة أميال .
( والزهرة ) تبعد عن الشمس بخمسة وعشرين مليونا .
( والأرض ) تبعد عن الشمس بأربعة وثلاثين مليونا وخمسمائة ألف من الفراسخ .
( والمريخ ) يبعد عن الشمس بثلاثة وخمسين مليونا من الفراسخ .
( والمشتري ) يبعد عن الشمس بمائة وثمانين مليونا من الفراسخ .
( وزحل ) يبعد عن الشمس بثلاثمائة وتسعة وعشرين مليونا من الفراسخ . ( والبعد الأبعد للقمر ) بالنسبة للأرض واحد وتسعون ألفا وأربعمائة وخمسون فرسخا . ( وبعده الأقرب ) ثمانون ألفا ومائة وخمسة عشر فرسخا ، فيكون البعد الأوسط نحو ستة وثمانين ألف فرسخ ، وقالوا : إن الشمس أعظم من الأرض بألف ألف مرة وثلاثمائة وثمان عشرين ألف مرة . وقد استنبط بعض علماء الهيئة من تحول كلف الشمس الذي يظهر على ظهرها ورجوعه في أزمنة مخصوصة أن الشمس تدور على نفسها في خمسة وعشرين يوما واثنتي عشرة ساعة .
( واعلم ) أن العالم هو سائر المحدثات فهو صفة عظيمة تكل العقول عن الإحاطة بعلم