( الحجة الثانية ) :
كل ما سوى الواجب فهو ممكن ، وكل ممكن محدث ، وكل محدث فله صانع ، وإنما قلنا : كل ما سوى الواجب ممكن ؛ لأنا لو فرضنا موجودين واجبين لذاتهما لاشتركا في الوجود ، ولتباينا بالتعين ، فيكون كل منهما مركبا مما به المشاركة ومما به الممايزة ، وكل مركب مفتقر إلى جزء وجزؤه غيره ، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته ، فكل واحد من الواجبين بالذات ممكن بالذات هذا خلف ، ثم ينتقل الكلام إلى ذينك الجزءين فإن كانا واجبين كان كل واحد من تلك الأجزاء مركبا ، ويلزم التسلسل ، وإن لم يكونا واجبين ، كان المفتقر إليهما أولى بعدم الوجوب ، فثبت أن ما عدا الواجب ممكن ، وكل ممكن فله مؤثر ، وكل ما افتقر إلى المؤثر محدث ؛ لأن الافتقار إلى المؤثر لا يمكن أن يتحقق حال البقاء ، لاستحالة إيجاد الموجود فلا بد وأن يكون إما حال الحدوث أو حال العدم ، وعلى التقديرين فالحدوث لازم ، فثبت أن ما سوى الواجب محدث ، وكل محدث فلا بد له من محدث فلا بد للسماء من بان .
( الحجة الثالثة ) :
صريح العقل يشهد بأن جرم السماء لا يمتنع أن يكون أكبر مما هو الآن بمقدار خردلة ، فاختصاص هذا المقدار بالوقوع دون الأزيد والأنقص لا بد وأن يكون بمخصص ، فثبت أنه لا بد للسماء من بان ، وقلنا سابقا : إن الجواهر الدقيقة - أي الفردة - جعل تعالى بها قوة الانضمام ، أي التماسك . ( فإن قيل ) : لم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى خلق شيئا وأعطاه قدرة يتمكن ذلك المخلوق بتلك القدرة من خلق الأجسام ، فيكون خالق السماء وبانيها هو ذلك الشيء ( فالجواب ) : من العلماء من قال : المعلوم بالعقل أنه لا بد للسماء من محدث ، وأنه لا بد من الانتهاء آخر الأمر إلى قديم واجب الوجود لذاته . واحد ، وهو اللّه سبحانه وتعالى .
فأما نفي الواسطة فإنما يعلم بالسمع ، فقوله في هذه الآية :
بَناها
يدل على أن باني السماء هو اللّه وحده لا غيره ، ومنهم من قال : بل العقل يدل على بطلانه ؛ لأنه لما ثبت أن كل ما عداه محدث ، ثبت أنه قادر لا موجب ، والذي كان مقدورا له إنما صح كونه مقدورا له بكونه ممكنا ، فإنك لو رفعت الإمكان بقي الوجوب أو الامتناع ، وهما يحيلان المقدورية ، وإذا كان ما لأجله صح في البعض أن يكون مقدورا لله ، وهو الإمكان ، والإمكان عام في الممكنات وجب أن يحصل في كل الممكنات صحة أن تكون مقدورة لله تعالى ، وإذا ثبت