صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا
[ عبس : الآية 25 ] . يعني كانت المياه تنصب من السماء على الأرض صبا متواترا .
وقوله تعالى :
ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا
( 26 ) [ عبس : الآية 26 ] . أي كانت الأرض تشقق ويخرج من باطنها الصخور والجبال فكانت الأرض في الزمن الذي قبل الدحو حجمها قدر حجمها بمرات ، فلما دحيت تعجنت وصار سطحها جامدا فبعد ذلك طحاها ، أي وسعها فصارت ، تشقق وتتسع كما قال تعالى :
وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ ( 11 ) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ
( 12 ) .
وقوله :
ذاتِ الرَّجْعِ
[ الطّارق : الآية 11 ] . أي ذات المطر ، يرجع المطر بعد المطر ، وقوله :
ذاتِ الصَّدْعِ
[ الطّارق : الآية 12 ] . أي ذات الشق فتنشق الأرض وتنثني بالصخور وظهور الجبال كقوله تعالى :
يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ
[ الرّوم : الآية 43 ] . أي يتفرقون ؛ وذلك لأن الأرض تنشقق ، وينفذ من الشقوق الصخور ليتم التركيب والتكميل .
( في بيان الخلاف في الأرض هل هي متحركة أو ساكنة )
فقال قوم : إنها متحركة ؛ وذلك لأنها لو كانت ساكنة ، لكانت قوة انضمامها تخلخلت ، وجزئياتها تفاتت وكتلها ، انحلت ، وجوها صار خلاء وعدمت التنفس والحياة منها . وقال قوم آخرون : إن الأرض ساكنة غير متحركة لا بالاستدارة ولا بالاستقامة . ثم اختلفوا في سبب هذا السكون على وجوه : ( أحدها ) : أن الأرض لا نهاية لها من الجانب السفلي ، وإذا كان كذلك لم يكن لها حركة ، وهذا فاسد لما ثبت بالدليل تناهي الأجسام .
( الثاني ) : الذين سلموا تناهي الأجسام قالوا : الأرض ساكنة بحيث إنها ليست بكرة ، بل هي كنصف كرة ، وحدبتها فوق ، وسطحها أسفل ، وذلك السطح موضوع على الماء والهواء ، ومن شأن الثقيل إذا انبسط أن يندغم على الماء والهواء مثل الرصاصة ، فإنها إذا انبسطت طفت على الماء ، وإن اجتمعت رسبت ، وهذا باطل من وجهين :
( الأول ) : ثبت بالمشاهدات الصحيحة أن الأرض كروية ، والدليل على ذلك ما ذكرناه آنفا ، وهو أن اللّه تعالى خلق جوهرة ونظر إليها فسالت ماء فكانت منها السماوات والأرض .
فإذا علمت هذا فاعلم أن اللّه تعالى جعل ابتداء الأرض سائلة فدارت على نفسها فاكتسبت الشكل الكروي المميز لها لأغلب الأجسام السماوية .
( الثاني ) : أن سبب حركة الأرض جذب الفلك لها ؛ لأن الجرم الأصغر أسرع انجذابا من الأكبر ، ودفعه لها من كل الجوانب ، فمن الدفع الجذب كما إذا جعل شيء من التراب في