تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الأسرار النورانية القرآنية — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
لجده ، وضربه معدود لحده ، ولكن أيها الشريف بيضت باطني وسودت باطنك ، فيرى الناس بياض قلبي فوق سواد وجهي ، فحسنت وأخذت بسيرة أبيك وأخذت بسيرة أبي ، فرآني الخلق في صورة أبيك ورأوك في صورة أبي ، فظنوني ابن أبيك وظنوك ابن أبي ، فعملوا معك ما يعمل مع أبي وعملوا معي ما يعمل مع أبيك ، ثم قال : قال اللّه تعالى :
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
[ الحجرات : الآية 13 ] . وفيه وجهان : ( أحدهما ) : أن المراد من يكون أتقى يكون عند اللّه أكرم ، عند اللّه يكون أي التقوى تفيد الإكرام . ( ثانيهما ) : إن المراد أن من يكون أكرم عند اللّه يكون أتقى ، أي الإكرام يورث التقوى ، كما يقال : المخلصون على خطر عظيم . والأول أشهر والثاني أظهر ؛ لأن المذكور ثانيا ينبغي أن يكون محمول على المذكور أولا في الظاهر ، فيقال : الإكرام للتقي لكن ذو العموم في المشهور هو الأول يقال : ألذ الأطعمة أحلاها . أي اللذة بقدر الحلاوة ، لا أن الحلاوة بقدر اللذة ، وهي إثبات لكون التقوى متقدمة على كل فضيلة . ( فإن قيل ) : التقوى من الأعمال ، والعمل بلا علم لا يفيد ولا شرف له فالعلم أشرف قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لفقيه واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد » . ( فنقول ) : التقوى ثمرة العلم ، قال اللّه تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : الآية 28 ] . فلا تقوى إلا لعالم أتم علمه ، والعالم الذي لا يتقي كشجرة لا ثمرة لها ، لكن الشجرة المثمرة أشرف من الشجرة التي لا تثمر ، بل هي حطب ، وكذلك العالم الذي لا يتقي حصب جهنم ، وأما العابد الذي يفضل اللّه عليه الفقيه فهو الذي لا علم له ، وحينئذ لا يكون عنده من خشية اللّه نصاب كامل ، ولعله يعبده مخافة الإلقاء في النار فهو كالمكره ، أو لدخول الجنة فهو يعمل كالفاعل الذي له أجره ويرجع إلى بيته ، والمتقي هو العالم بالله المواظب لبابه المقرب إلى جنابه عنده يبيت .

« المقالة السادسة والعشرون » في قوله تعالى : وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ

( 22 ) [ الرّوم : الآية 22 ] . اعلم أن اللّه تعالى لما بين دلائل الأنفس ذكر دلائل الآفاق ، وأظهرها خلق السماوات والأرض ، فإن بعض الكفار يقول في خلق البشر وغيره من المركبات ، أنه بسبب ما في العناصر من الكيفيات ، وما في السماوات من الحركات ، وما فيها من الاتصالات الجاذبية فإذا قيل له : فالسماء والأرض لم تكن لامتزاج العناصر فلا يجد بدا من أن يقول : ذلك بقدرة اللّه