« المبحث الثالث » : [ عدم جواز الافتخار بعدم التقوى ]
إذا كان ورود الآية لبيان عدم جواز الافتخار بعدم التقوى ؛ لأنه خارج عن العقل وداخل في التولعات ، فهل لقوله تعالى :
إِنَّا خَلَقْناكُمْ . . .
[ الحجرات : الآية 13 ] إلى آخرها فائدة نقول : نعم . وذلك لأن كل شيء يترجح على غيره ، فإما أن يترجح بأمر فيه يلحقه ويترتب عليه بعد وجوده ، وإما أن يترجح عليه بأمر هو قبله ، والذي بعده كالحسن والقوة وغيرهما من الأوصاف المطلوبة من ذلك الشيء ، والذي قبله فإما راجع إلى الأصل الذي وجد منه أو إلى الفاعل الذي هو له أوجدكما يقال في إناءين هذا من نحاس وهذا من فضة . ويقال : هذا عمل فلان وهذا عمل فلان . فكأنه قال تعالى : لا ترجيح فيما خلقتم منه ؛ لأنكم كلكم من ذكر وأنثى ، ولا بالنظر إلى جاعلكم ؛ لأنكم كلكم خلقكم اللّه تعالى ، فإن كان بينكم تفاوت فإنما يكون بأمور تلحقكم وتحصل بعد وجودكم وأشرفها التقوى والقرب من اللّه تعالى ، ثم قال تعالى :
وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً
[ الحجرات : الآية 13 ] . متفرقة لا يدري من يجمعكم كالعجم ، وقبائل يجمعكم واحد معلوم كالعرب .
( وثانيهما ) : جعلناكم شعوبا داخلين في قبائل ، فإن القبيلة تحتها شعوب وتحت الشعوب البطون وتحت البطون الأفخاذ وتحت الأفخاذ الفصائل وتحت الفصائل الأقارب ، وذكر الأعم ؛ لأنه أذهب للافتخار ؛ لأن الأمر الأعم منها يدخله الأخص كما قد بين علماء الكائنات أن الأرض معمورة بعد الطوفان بأولاد نوح عليه السّلام وهم ثلاثة : سام وحام ويافث ؛ فأولاد سام قد عمروا الجزء الجنوبي من بلاد آسيا ، وأولاد حام عمروا بلاد إفريقيا ، وأولاد يافث عمروا بلاد أوروبا ، والجزء الشمالي من بلاد آسيا ، وأما بلاد أمريقا وبلاد الأقيانيوسيا فإنها عمرت من بلاد آسيا وإفريقيا بانتقال بعض الناس إليها ونزولهم بها ، وقد قسم بعضهم أجناس البشر إلى ثلاثة أصلية يمتاز بعضها عن بعض ، وهي الجنس الأبيض المسمى القوقاسي نسبة إلى قوقاس ، وهو جبل بلاد الجركس ويسمى كوّة قاف ، والجنس الأصفر أو المغولي نسبة إلى المغول وهم التتار ، والثالث الجنس الزنجي أو السوداني ، وزاد بعض المؤلفين جنسين وهما الملياري والأمريقي ، فتكون حينئذ خمسة أجناس مختلفة ، فالجنس القوقاسي يمتاز بحسن تدوير الرأس على شكل البيضة ، وإنما سمي قوقاسيا ؛ لأن الأخبار تدل على أنه ينسب على جبل قوقاس الذي هو مسكون الآن بأجمل أمم الدنيا وهم الجراكسة والكرج ، ومن هذا الجنس تولدت الأمم التي تغلبت على غيرها ، ويتفرع عن هذا الجنس عدة فروع ، فمنها الفرع الأريمي ، أي الشامي ، ومن هذا الفرع تولد قدماء ديار بكر والعراق والعرب والصوريون واليهود والحبشة وقدماء المصريين كما استظهره بعضهم ، ومنها