تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الأسرار النورانية القرآنية — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢

« المقالة الحادية والعشرون » في قوله تعالى : أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ( 8 ) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ ( 9 ) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ

( 10 ) .

[ في بيان وظائف اللسان والشفتين في التكلم ]

عجائب هذه الأعضاء قد تقدم بيان نموها في تكوين الأجنة ، قال أهل اللغة العربية : النجد الطريق في ارتفاع . فكأنه لما وضحت الدلائل جعلت كالطريق المرتفعة العالية بسبب أنها واضحة للعقول كوضوح الطريق العالي للأبصار ، وإلى هذا التأويل ذهب عامة المفسرين في معنى النجدين ، وهو أنهما سبيلا الخير والشر ودليلهم عن أبي هريرة - رضي اللّه تعالى عنه - أنه عليه السّلام قال : « النجدان نجد الخير ونجد الشر ولا يكن نجد الشر أحب إلى أحدكم من نجد الخير » . وهذه الآية كالآية في
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ
[ الإنسان : الآية 1 ] إلى قوله :
فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً ( 2 ) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
( 3 ) [ الإنسان : الآيتان 2 ، 3 ] . وقال الحسن : أهلكت مالا لبدا فمن الذي يحاسبني عليه ؟ فقيل : الذي قدر على أن يخلق لك هذه الأعضاء قادر على محاسبتك ، وروى عن ابن عباس وسعيد ابن المسيب - رضي اللّه تعالى عنهم - أنهما الثديان . ومن قال ذلك ذهب إلى أنهما كالطريقين لحياة الولد ورزقه ، واللّه تعالى أعطى الطفل الصغير القوة الإلهامية حتى ارتضعهما قال القفال : إن من قدر على أن يخلق من الماء المهين قلبا عقولا ولسانا قؤولا ، فهو على إهلاك ما خلق قادر ، وبما يخفيه المخلوق عالم ، فما العذر في الذهاب عن هذا مع وضوحه ؟ وما الحجة في الكفر بالله مع تظاهر نعمه الظاهرة من الإدراك والعقل والصوت والتكلم والإيماء ؟ وأيضا فمن النعم الخيرات العظيمة المتعلقة بالإنفاق ، وما العلة في التعزز على اللّه وعلى أنصار دينه بالمال وهو المعطي له وهو الممكن من الانتفاع به سبحانه وتعالى دل عباده على الوجوه الفاضلة التي تنفق فيها الأموال ، وعرف الكافر أن إنفاقه كان فاسدا وغير مفيد ، وهنا نعرف ونعرب عن وظائف اللسان والشفتين في التكلم والصوت والإيماء فنقول : الإيماء في الغالب يكون ببعض حركات إرادية وغير إرادية للحواس أو الجذع والأطراف . وهذا النوع من الإيماء يسمى بالإشارة الخرسية ، ويزداد وضوح هذه الحركات إذا حصل للوجه تغيرات مختلفة في لونه وحركاته وغيرهما ، وهذه التغيرات ينطبع منها في الوجه هيأة مخصوصة تسمى بالهيئات الوجهية أو الأمارات الوجهية والأوهام ، والانفعالات النفسية قد يحصل منها تأثير شديد الجملة من الأعضاء ، وتتضح في ظاهر الجسم بواسطة التنوعات المخصوصة التي تحصل لكل من أوضاع الجسم وحركات الأعضاء والأمارات الوجهية والنفس والصوت ، وهذه الظواهر متى كانت حاصلة بالإرادة ، ساعدت الكلام في توضيح الأفعال الذهنية ، فإن بعض الحركات وإن كان ناشئا عن اصطلاح بين الناس إلا أن الغالب منها