تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الأسرار النورانية القرآنية — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
وكيفية وجودها يعجز عن إدراكها الدقيق ، وهذا الجهاز مؤلف من المخ والمخيخ والنخاع المستطيل والنخاع الشوكي .

« المسألة الثالثة » : التصورات والتصديقات

إما أن تكون كسبية وإما أن تكون بديهية ، والكسبيات إنما يمكن تحصيلها بواسطة تركيبات البديهيات ، فلا بد من سبق هذه العلوم البديهية وحينئذ لسائل أن يسأل فيقول : هذه العلوم البديهية إما أن يقال : إنها كانت حاصلة منذ خلقنا . أو ما كانت حاصلة . والأول باطل ؛ لأنا بالضرورة نعلم أنا حين كنا أجنة في رحم الأم ما كنا نعرف أن النفي والإثبات لا يجتمعان ، وما كنا نعرف أن الكل أعظم من الجزء . وما القسم الثاني فإنه يقتضي أن هذه العلوم البديهية حصلت في نفوسنا بعد ما كانت حاصلة ، فحينئذ لا يمكن حصولها إلا بكسب وطلب ، وإلا كان كسبيا فهو مسبوق بعلوم أخرى إلى غير نهاية . وكل ذلك محال ، وهذا سؤال مشكل وجوابه : أن نقول : الحق أن هذه العلوم البديهية ما كانت حاصلة في نفوسنا ، ثم إنها حدثت وحصلت . أما قوله : فيلزم أن تكون كسبية . قلنا : هذه المقدمة ممنوعة . بل نقول : إنها إنما حدثت في نفوسنا بعد عدمها بواسطة إعانة الحواس التي هي السمع والبصر ، واللذان تقدم الكلام عليهما وتقريره أن النفس كانت في مبدأ الخلقة خالية عن جميع العلوم ، إلا أنه تعالى خلق السمع والبصر ، فإذا أبصر الطفل شيئا مرة بعد أخرى ، ارتسم في سمعه وخياله ماهية ذلك المسموع ، وكذا القول في سائر الحواس ، فيصير حصول الحواس سببا لحضور ماهيات المحسوسات في النفس والعقل ، ثم إن تلك الماهيات على قسمين : ( أحدهما ) : ما يكون نفس حضوره موجبا تاما في جزم الذهن بإسناده بعضها إلى بعض بالنفي والإثبات ، مثل أنه إذا حضر في الذهن أن الواحد ما هو ، وأن نصف الاثنين ما هو ، كان حضور هذين التصورين في الذهن علة تامة ، في جزم الذهن بأن الواحد محكوم عليه بأنه نصف الاثنين ، وهذا القسم هو عين العلوم البديهة . والقسم الثاني : ما لا يكون كذلك ، وهو العلوم النظرية ، مثل أنه إذا حضر في الذهن أن الجسم ما هو ، وأن المحدث ما هو ، فإن مجرد هذين التصورين في الذهن لا يكفي في جزم الذهن بأن الجسم محدث ، بل لا بد فيه من دليل منفصل وعلوم سابقة ، والحاصل أن العلوم الكسبية إنما يمكن اكتسابها بواسطة العلوم البديهية ، وحدوث هذه العلوم البديهية إنما كان عند حدوث تصور موضوعاتها وتصور محمولاتها ، وحدوث هذه التصورات إنما كان بسبب