بأعظم وأكمل نعمة بخلق السمع والبصر والفؤاد فيه ، كما قال :
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[ النّحل : الآية 78 ] . والمعنى أن النفس الإنسانية لما كانت في أول الخلقة خالية عن المعارف والعلوم بالله ، فالله تعالى أعطاها هذه الحواس لتستفيد بها المعارف والعلوم . وتمام الكلام في هذا الباب يستدعي مزيد تقرير ، فنقول : قال تعالى :
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ
[ النّحل : الآية 78 ] .
( اعلم ) أن الأفئدة جمع فؤاد ، وهي التي جعلها تعالى مراكز للحياة ، فجعل سبحانه المخ وامتداداته ممدا بتأثيراته للقلب وأوعيته ، وجعل بحكمته القلب وأوعيته ممدا للمخ وامتداداته عوضا عما تحلل منهما من التأثيرات الغريزية والجزئيات الجسمية ، فجميع الإحساسات والتصورات والتركيب والتحليل جعله الحكيم القادر تحت استيلاء الأفئدة ؛ لأن الأجسام العضوية مختصة بالحياة وتنقسم إلى نباتات وحيوانات فالنباتات ، مع كونها مختصة بالبنية العضوية توجد فيها أصل الحياة المشتركة بينها وبين الحيوانات ، فتجذب من الأرض والهواء الأصول المغذية لها وتنضجها حتى تصير مماثلة لها ، ثم تنمو وتتوالد وينتهي أمرها بالموت غير أنها لا تحس بوجودها ، ولا تلتذ ولا تتألم ولا تحصل لها حركات انتقالية ، وأما الحيوان فله سوى البنية العضوية والقوة المشتركة بينه وبين النباتات أعضاء مخصوصة قائمة بتتميم وظائف وأفعال أخر بها تتمكن من تجهيز الأشياء المحتاجة هي إليها ، فإن لها أعضاء نافعة في قبول التأثيرات الأجنبية وتوجيهها إلى مركز عمومي ، وهي أوعية الهضم وأوعية الامتصاص والدورة الدموية ، والمترأس على جميع هذه الأحشاء أوعية الثربية المسماة الآن بالضفائر الحشوية ، ولها أعضاء أخر بدخولها تحت سلطنة الإرادة يمكن الجسم الانتقال من مكان إلى آخر ، والجسم البشري منها يختص بجهاز حسي عظيم جدا ويفعل حركات كثيرة مختلفة ؛ لأن النسر وإن كان ذا نظر حاد أكثر من نظر البشر ، والكلب وإن كان ذا شم قوي أكثر من شمه ، فليس مجموع حواسهما مثل مجموع حواسه في الإتقان ، فإنا لو اعتبرنا أعضاء الحواس بالنظر إلى مجموعها لوجدنا الجسم البشري في الحقيقة أعدل الحيوانات كلها إحساسا ؛ ولأن أغلب الحيوانات أعظم منه قوة ، ومع هذا فلا يتأتى لفرد منها كائنا ما كان أن يفعل حركات عديدة مثل حركاته ، وأيضا ليس لفرد منها حنجرة كثيرة التحرك يقتدر بها على إحداث أصوات مختلفة في الغناء والكلام والقراءة كحنجرته ، وما ذكرناه في الجسم البشري وإن كان كافيا في تميزه عن غيره إلا أننا لو نظرنا لحساسته الفاضلة العظمى ، أعني القوة العقلية التي صار بها واسطة بين الخالق وباقي المخلوقات ، لكثرت مباينته له والوظائف المخية - أعني الحواس الباطنة - منشؤها من النفس التي هي مبدأ الإدراك ، والتي طبيعتها