أَنْفُسَهُمْ
أن يقدموا لها خيرا
أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
( 19 )
لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ
( 20 )
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ
وجعل فيه تمييزا كالإنسان
شرح
قوله : ( تركوا طاعته ) أشار به إلى أن النسيان كما يكون بمعنى عدم الحفظ والذكر يكون بمعنى الترك ومنه الآية اه كرخي .
قوله : ( أن يقدموا لها خيرا ) أشار به إلى تقدير مضاف أي : فأنساهم تقديم خير لأنفسهم أي :
جعلهم ناسين لها حتى لم يسمعوا ما ينفعها ولم يتيقظوا إلى ما يخلصها اه كرخي .
وعلى هذا التفسير يكون قوله : فأنساهم أنفسهم مكررا مع قوله نسوا اللّه لرجوعهما إلى معنى واحد وهو ترك الطاعات ، فالأولى ما قاله غيره مما يفيد المغايرة ، وعبارة القرطبي : وقيل نسوا حق اللّه فأنساهم حق أنفسهم قاله سفيان ، وقيل : نسوا اللّه بترك شكره وتعظيمه فأنساهم أنفسهم أن يذكر بعضهم بعضا حكاه ابن عيسى ، وقال سهل بن عبد اللّه : نسوا اللّه عند الذنوب فأنساهم أنفسهم عند التوبة ، ونسب تعالى الفعل إلى نفسه في أنساهم إيذانا بأن ذلك بسبب أمره ونهيه ، كقوله : أحمدت الرجل إذا وجدته محمودا ، وقيل : نسوا اللّه في الرخاء فأنساهم أنفسهم في الشدة أولئك هم الفاسقون اه .
وأصل نسوا نسيوا نقلت ضمة الياء إلى ما قبلها بعد سلب حركته ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنة مع الواو ، ويقال : نسي ينسى كرضي يرضى اه .
قوله :لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِأي : الذين نسوا اللّه فاستحقوا الخلود في النار ، وأصحاب الجنة أي : الذين اتقوا اللّه فاستحقوا الخلود في الجنة وقوله : أصحاب الجنة الخ استئناف مبين لكيفية عدم الاستواء بين الفريقين اه أبو السعود .
فهذا كالتذييل لقوله :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍالخ وذلك أنه تعالى لما أمر المؤمنين بالتقوى التي هي قصارى كرامة اللّه ، كما قال :إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ[ الحجرات : 13 ] وبالنظر والتيقظ للعاقبة والأخذ في العمل ، ثم نهاهم أن يكونوا من الغافلين الذين نسوا اللّه وتركوا الحذر فأهملوا العمل فأنساهم أنفسهم حتى رأوا في العاقبة من الأهوال ما نسوا فيها أنفسهم ذيل الكلام بقوله : لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة مزيدا للترغيب فيما يزلفهم إلى اللّه ويدخلهم دار كرامته ويجعلهم من أصحابها ، ومن ثم دق ولطف ، واستدلال أصحابنا بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالكافر ، وحسن كلام القاضي حيث قال : لا يستوي الذين استكملوا نفوسهم فاستأهلوا الجنة والذين استمهنوا نفوسهم أي : استعملوها في المهنة والشهوات فاستحقوا النار اه كرخي .
قوله : ( وجعل فيه تمييز كالإنسان ) أي : لو جعلنا في الجبل على قساوته تمييزا كما في الإنسان ثم أنزلنا عليه القرآن لتشقق خشية من اللّه وخوفا أن لا يؤدي حقه في تعظيم القرآن ، والمقصود تنبيه الإنسان على قسوة قلبه وقلة خشوعه عند تلاوة القرآن وإعراضه عند تدبر زواجره اه كرخي .
وعبارة الخطيب : المعنى أنا لو أنزلنا هذا القرآن على الجبل لخشع وتصدع لوعده ، وأنتم أيها