تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
طغيانهم
فَتَوَلَّ
أعرض
عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ
( 54 ) لأنك بلغتهم الرسالة
وَذَكِّرْ
عظ بالقرآن
فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
( 55 ) من علم اللّه تعالى أنه يؤمن
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
( 56 ) ولا ينافي ذلك عدم عبادة الكافرين لأن الغاية لا يلزم وجودها ، كما في قولك : بريت هذا القلم
شرح
بالحقيقة بقوله :بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَفهو اضراب انتقالي اه شيخنا . قوله : ( بمعنى النفي ) أي : ما وقع منهم وصية بذلك لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد اه كرخي . قوله :فَتَوَلَّ عَنْهُمْأي : عن جدالهم ، وعبارة البيضاوي : فتول عنهم فأعرض عن مجادلتهم بعدما كررت عليهم الدعوة فأبوا إلا الإصرار والعناد ، فما أنت بملوم على الإعراض بعدما بذلت جهدك في البلاغ ، وذكر ولا تدع التذكير والموعظة ، فإن الذكرى تنفع المؤمنين ، أي : من قدر اللّه إيمانه أو من آمن فإنه يزداد بها بصيرة اه . قوله :فَما أَنْتَ بِمَلُومٍأي : لا لوم عليك في الاعراض عنهم ، لأنك قد أديت الرسالة وبذلت المجهود ما قصرت فيما أمرت به . قال المفسرون : لما نزلت هذه الآية حزن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، واشتد ذلك على أصحابه ، وظنوا أن الوحي قد انقطع ، وأن العذاب قد حضر إذ أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتولى عنهم ، فأنزل اللّه :وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَفطابت نفوسهم بذلك اه خازن . وهذا يقتضي أن قوله : وذكر ناسخ لما قبله ، وبه صرح القرطبي حيث قال : ثم نسخ هذا بقوله : وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ، وقيل : نسخ بآياته السيف اه . قوله :وَذَكِّرْأي ذكر جميعهم ، فإن التذكير ربما انتفع به منهم من علم اللّه أنه يؤمن ، فهذا معنى قوله :فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَاه شيخنا . قوله : ( ولا ينافي ذلك ) أي الحصر المذكور عدم عبادة الكافرين الخ ، وقوله : ( لأن الغاية ) أي المفادة باللام فهي للغاية والعاقبة لا للعلة الباعثة لما هو معلوم من أن اللّه لا يبعثه شيء على شيء ، وقوله : فإنك قد لا تكتب به اعترضه القاري مبا حصاله أن هذا مسلم في أفعال المخلوقين لجهلهم بعواقب الأمور ، وأما اللّه سبحانه وتعالى فلا يصح التخلف في فعله لأنه لما قال ليعبدون فمقتضاه أنه عالم بأنهم سيعبدونه ، فينافي عدم العبادة من بعضهم . فالجواب الصحيح : أن معنى إلا ليعبدون أي : إلا مهيئين ومستعدين ليعبدون بأن خلقت فيهم العقل والحواس والقدرة التي تتحصل بها العبادة ، وهذا لا ينافي تخلف العبادة بالفعل من بعضهم ، لأن هذا البعض وإن لم يعبد اللّه لكن فيه التهيؤ والاستعداد الذي هو الغاية بالحقيقة اه شيخنا . وفي السمين : إلا ليعبدون متعلق بخلقت ، واختلف في الجن والإنس قيل : المراد بهم العموم والمعنى إلا لآمرهم بالعبادة وليقربوا بها ، وهذا منقول عن علي بن أبي طالب ، أو يكون المعنى ليطيعوني وينقادوا لقضائي ، فالمؤمن يفعل ذلك طوعا والكافر يفعله كرها ، أو يكون المعنى إلا معدين ومهيئين للعبادة ثم منهم من يتأتى منه ذلك ، ومنهم من لا يتأتى منه كقولك : هذا القلم بريته للكتابة ثم تكتب به وقد لا تكتب ، أو المراد بهم الخصوص ، والمعنى : وما خلقت الجن والإنس المؤمنين ، وقيل : الطائعين ، والأول أحسن اه .