تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ
وهو
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ
تعبدون
مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي غيره وهم الأصنام
لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً
اسم جنس واحده ذبابة يقع على المذكر والمؤنث
وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ
لخلقه
وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً
مما عليهم من الطيب والزعفران الملطخون به
لا يَسْتَنْقِذُوهُ
شرح
من يتأتى منه فعل ، فإذا قلت : وعدت زيدا دينارا ، فالدينار وهو المفعول الثاني لأنه لا يتأتى منه فعل ، وهو نظير أعطيت زيدا درهما ، فزيد هو الفاعل لأنه آخذ للدرهم اه . وكلام الجلال يتمشى على الاحتمال الأول حيث قال : بأن مصيرهم إليها فجعل الذين كفروا هو الموعود به ، فيكون الضمير هو المفعول الأول أي وعدها اللّه بمصير الكفرة إليها أي يرجعوا إليها ويكونوا طعاما لها ، فهي آكلة وهم مأكولون اه . قوله :يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُهذا متصل بقوله :وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناًوإنما قال ضرب مثل لأن حجج اللّه تعالى عليهم بضرب الأمثال لهم أقرب إلى أفهامهم ، فإن قيل : فأين المثل المضروب ؟ قلت : فيه وجهان ، أحدهما : قال الأخفش ليس ثم مثل ، وإنما المعنى ضربوا لي مثلا فاستمعوا قولهم يعني أن الكفار جعلوا للّه مثلا بعبادتهم غيره ، فكأنه قال : جعلوا لي شبيها في عبادتي فاستمعوا خبر هذا الشبيه . والثاني : قال القتيبي : المعنى يا أيها الناس ضرب مثلا أي عبدت آلهة لم تستطع أن تخلق ذبابا وإن يسلبها الذباب شيئا لم تستطع أن تستنقذه منه ، وقال النحاس : المعنى ضرب اللّه عز وجل لما يعبد من دون اللّه مثلا . قال النحاس : وهذا من أحسن ما قيل فيه أي : أن بين لكم ولمعبودكم شبهات اه قرطبي . قوله : ( واحده ذبابة ) ويجمع على ذباب بالكسر كغربان ، وذبان بالضم كقضبان وعلى أذبة كأغربة وهو أجهل الحيوانات لأنه يرمي نفسه في المهلكات ، ومدة عيشه أربعون يوما ، وأصل خلقته من العفونات ، ثم يتوالد بعضه من بعض . يقع روثه على الشيء الأبيض فيرى أسود وعلى الأسود فيرى أبيض ، والذباب مأخوذ من ذب إذا طرد وآب إذا رجع لأنك تذبه فيرجع عليك اه شيخنا . قوله :وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُأي : لخلقه . قال الزمخشري : نصب على الحال كأنه قال : يستحيل خلقهم الذباب حال اجتماعهم لخلقه وتعاونهم عليه ، فكيف حال انفرادهم ؟ وقد تقدم أن هذه الواو عاطفة هذه الجملة الحالية على حال محذوفة أي : انتفى خلقهم الذباب على كل حال ولو في هذه الحال المقتضية لجميعهم ، فكأنه تعالى قال : إن هذه الأصنام إن اجتمعت لا تقدر على خلق ذبابة على ضعفها ، فكيف يليق بالعاقل جعلها معبودا كما أشار إليه في التقرير اه كرخي . قوله :وَإِنْ يَسْلُبْهُمُأي : يختطف منهم بسرعة . قوله : ( مما عليهم من الطيب والزعفران الخ ) روي عن ابن عباس أنهم كانوا يطلون الأصنام بالزعفران ورؤوسها بالعسل ويغلقون عليها الأبواب ، فيدخل الذباب من الكوى فيأكله . وعن ابن زيد كانوا يحلون الأصنام باليواقيت واللآلىء وأنواع الجوهر ويطيبونها بألوان الطيب ، فربما سقط شيء منها فيأخذه طائر أو ذباب فلا تقدر الآلهة على استرداده اه خطيب . قوله : ( الملطخون به ) نعت سببي للطيب والزعفران المجرورين ، وكان عليه أن يقول الملطخين
الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقايق الخفية — صفحة 219 | إبراهيم شمس الدين / سليمان بن عمر العجيلي الشافعي