تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
أَزِفَتِ الْآزِفَةُ
أي : قربت الساعة الموصوفة بالقرب في قوله :
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ
« 1 » ، وفي ذكرها بعد إنذارهم إشعار بأنّ تعذيبهم مؤخر إلى يوم القيامة ،
لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ
أي : ليس لها نفس مبيّنة وقت قيامها إلّا اللّه تعالى ، وهذا كقوله :
لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ
« 2 » أو : ليس لها نفس قادرة على كشف أهوالها إذا وقعت إلا اللّه تعالى ، فيكشفها عمن شاء ، ويعذّب بها من شاء . ولمّا استهزؤوا بالقرآن ، الناطق بأهوال القيامة ، نزل قوله تعالى :
أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ
إنكارا ،
وَتَضْحَكُونَ
استهزاء ،
وَلا تَبْكُونَ
خشوعا ،
وَأَنْتُمْ سامِدُونَ
؛ غافلون ، أو : لاهون لاعبون ، وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء ؛ ليشغلوا النّاس عن استماعه ،
فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا
ولا تعبدوا معه غيره ، من اللات والعزى ومناة الشعرى ، وغيرها من الأصنام ، أي : اعبدوا رب الأرباب ، وسارعوا له ، رجاء في رحمته . والفاء لترتيب الأمر بالسجود على بطلان مقابلة القرآن بالإنكار والاستهزاء ، ووجوب تلقيه بالإيمان والخضوع والخشوع ، أي : إذا كان الأمر كذلك فاسجدوا للّه الذي أنزله واعبدوه . الإشارة : وأنّ إلى ربك المنتهى ، انتهى سير السائرين إلى الوصول إلى اللّه ، والعكوف في حضرته . ومعنى الوصول إلى اللّه : العلم بأحدية وجوده ، فيمتحى وجود العبد في وجود الرّب ، وتضمحل الكائنات في وجود المكوّن ، فتسقط شفعية الأثر ، وتثبت وترية المؤثّر ، كما قال القائل :
وبروح وراح * عاد شفعى وترى
وقال آخر : فلم يبق إلا اللّه لم يبق كائن * فما ثمّ موصول ولا ثم بائن
بذا جاء برهان العيان ، فما أرى * بعينىّ إلا عينه إذ أعاين
إلى غير ذلك مما غنّوا به من أذواقهم ووجدانهم . ثم قال تعالى : ( وأنه هو أضحك وأبكى ) أي : قبض وبسط ، أو : أنه أضحك أرواحا بكشف الحجاب ، وأبكى نفوسا بذل الحجاب ، أو : أضحك إذا تجلى بصفة الجمال ، وأبكى إذا تجلى بصفة الجلال ، وأنه هو أمات قلوبا بالجهل والغفلة ، بمقتضى اسمه القهّار ، وأحيا قلوبا بالعلم والمعرفة ، بمقتضى اسمه الغفار ، أو : أمات نفوسا عن شهواتها الفانية ، وأحيا بسبب ذلك أرواحا بكمال المعرفة ، فاتصفت بالأوصاف الرّبانية ، أو : أمات أرواحا بغلبة ظلمة النّفس واستيلائها عليها ، وأحيا نفوسا باستيلاء الأرواح عليها ، وغلبة نورها ، فحييت وانقلبت روحا . وأنه خلق الزوجين ، أي : الصنفين ؛ الذكر والأنثى ، الحس والمعنى ، الحقيقية والشريعة ، القدرة والحكمة ، كما تقدم . وقال القشيري : الروح
هامش
( 1 ) الآية الأولى من سورة القمر . ( 2 ) من الآية 187 من سورة الأعراف .