تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
المدينة أقام بها بقية ذي الحجة ، ثم غزا في أول السابعة خيبر ، ففتحها ، وغنم أموالا كثيرة ، فخصصها بأهل الحديبية ، بأمره تعالى ،
قُلْ
لهم إقناطا لهم :
لَنْ تَتَّبِعُونا
إلى خيبر ، وهو نفى بمعنى النّهى ، للمبالغة ، أي : لا تتبعونا ، أو : نفى محض ، إخبار من اللّه تعالى بعدم اتباعهم وألا يبدّل القول لديه .
كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ
أي : من قبل انصرافهم إلى الغنيمة ، وأنّ غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية فقط ،
فَسَيَقُولُونَ
للمؤمنين عند سماع هذا النّهى :
بَلْ تَحْسُدُونَنا
أي : ليس ذلك النّهى من عند اللّه ، بل تحسدوننا أن نشارككم في الغنائم ،
بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ
كلام اللّه
إِلَّا قَلِيلًا
؛ شيئا قليلا ، يعنى : مجرد اللفظ ، أو : لا يفهمون إلا فهما قليلا ؛ وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون الدين ، وهو ردّ لقولهم الباطل ، ووصف لهم بسوء الفهم والجهل المفرط . والفرق بين الإضرابين : أن الأول ردّ أنّ يكون حكم اللّه ألا يتبعوهم وإثبات الحسد ، والثاني إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين إلى وصفهم بما هو أعظم منه ، وهو الجهل وقلة الفقه .
قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ
وهم الذين تخلفوا عن الحديبية :
سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ
يعنى : بنى حنيفة ، قوم مسليمة الكذاب ، وأهل الرّدة الذين حاربهم أبو بكر رضي اللّه عنه ، لأن المشركين وأهل الرّدة هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف . واستدل بالآية على حقيّة خلافة أبى بكر ، وأخذها من القرآن بقوله :
سَتُدْعَوْنَ
فكان الداعي لهؤلاء الأعراب إلى قتال بنى حنيفة ، وكانوا أولى بأس شديد ، هو أبو بكر ، بلا خلاف ، قاتلوهم ليسلموا لا ليعطوا الجزية بأمر الصدّيق . وقيل : هم فارس ، والداعي لقتالهم « عمر » ، فدلت على صحة إمامته ، وهو يدل على صحة إمامة أبى بكر .
تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ
أي : يكون أحد الأمرين ، إما المقاتلة أو الإسلام ، ومعنى « يسلمون » على هذا التأويل : ينقادون ؛ لأن فارس مجوس ، تقبل منهم الجزية ،
فَإِنْ تُطِيعُوا
من دعاكم إلى قتالهم
يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً
هو الغنيمة في الدنيا ، والجنة في الآخرة ،
وَإِنْ تَتَوَلَّوْا
عن الدعوة ، كما توليتم من قبل في الحديبية ،
يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً
لتضاعف جرمكم . وقد تضمنت الآية إيجاب طاعة الأمراء بالوعد بالثواب عليها ، والوعيد بالعقاب على التولي ، وقد تقدم في النّساء « 1 » . الإشارة : سيقول المخلفون عن السير بترك مجاهدة النّفوس ، التي بها يتحقق سير السائرين : ذرونا نتبعكم في السير إلى اللّه من غير مجاهدة ولا تجريد ، يريدون أن يبدلوا كلام اللّه ، وهو قوله :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
« 2 » ، فخص الهداية إلى الوصول بالمجاهدة ، لا بالبقاء مع حظوظ النّفوس ، قل : لن تتبعونا في
هامش
( 1 ) راجع تفسير الآية 59 من سورة النّساء ، ( 1 / 519 ) . ( 2 ) الآية 69 من سورة العنكبوت .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 393 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان