تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ
على الجهاد ، بيعة الرّضوان
إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ
لأنه خليفة عنه ، فعقد البيعة معه صلى اللّه عليه وسلم كعقدها مع اللّه من غير تفاوت بينهما ، كقوله :
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
« 1 » ثم أكد ذلك بقوله :
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
يعنى : أن يد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الذي تعلو أيدي المبايعين هي يد اللّه ، من باب مبالغة التشبيه ،
فَمَنْ نَكَثَ
؛ نقض البيعة ، ولم يف بها
فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه ، قال جابر رضي اللّه عنه : « بايعنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تحت الشجرة على الموت ، وعلى ألّا نفرّ ، فما نكث أحد منا البيعة ، إلا جدّ بن قيس المنافق ، اختبأ تحت إبط بعيره ، ولم يسر مع القوم « 2 » .
وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ
، يقال : وفيت بالعهد وأوفيت . وقرأ حفص بضم الهاء من « عليه » توسلا لتفخيم لام الجلالة ، وقيل : هو الأصل ، وإنما كسر لمناسبة الياء . أي : ومن وفّى بعهده بالبيعة
فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
؛ الجنة وما فيها . الإشارة : لكلّ جيل من النّاس يبعث اللّه من يذكّرهم ، ويدعوهم إلى اللّه ، بمعرفته ، أو بإقامة دينه ، ليدوم الإيمان باللّه ورسوله ، ويحصل النّصر والتعظيم للدين إلى يوم الدين ، ولولا هؤلاء الخلفاء لضاع الدين . وقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ
الآية ، قال الورتجبي : ثم صرّح بأنه عليه السّلام مرآة لظهور ذاته وصفاته ، وهو مقام الاتصاف بأنوار الذات والصفات في نور الفعل ، فصار هو هو ، إذ غاب الفعل في الصفة ، وغابت الصفة في الذات . فقال :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ . . .
الآية . وإلى ذلك يشير الحلّاج وغيره . وقال في القوت : هذه أمدح آية في كتاب اللّه عز وجل ، وأبلغ فضيلة فيه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ لأنه جعله في اللفظ بدلا عنه ، وفي الحكم مقامه ، ولم يدخل فيه كاف التشبيه ، فيقول : كأنما ، ولا لام الملك ، فيقول : للّه ، وليس هذا من الرّبوبية للخلق سوى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ه . وقال الحسن بن منصور الحلاج : لم يظهر الحق تعالى مقام الجمع على أحد بالتصريح إلا على أخص نسمه وأشرفه ، فقال :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ
. ه . قال القشيري : وفي هذه الآية تصريح بعين الجمع ، كما قال :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ
« 3 » وقال في مختصره : يشير إلى كمال فنائه وجوده عليه السّلام في اللّه وبقائه باللّه . ه . فالآية تشير إلى مقام الجمع ، المنبه عليه في الحديث : « فإذا أحببته كنت سمعه ، وبصره ، ويده » « 4 » وسائر قواه ، الذي هو سر الخلافة والبقاء باللّه ، وهذا الأمر حاصل
هامش
( 1 ) من الآية 80 من سورة النّساء . ( 2 ) أخرجه مسلم في ( الإمارة ، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال ، رقم 1856 ، ح 68 ، 69 ) . ( 3 ) من الآية 17 من سورة الأنفال . ( 4 ) سبق تخريج الحديث .