تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
ما امتدت إليه أعناق الهمم من جلب نفع ودفع ضر . و « عند اللّه » : حال من « فوزا عظيما » لأنه صفته في الأصل ، فلما قدّم عليه صار حالا ، أي : كائنا عند اللّه في علمه وقضائه . والجملة : اعتراض مقرّر لما قبله .
وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ
لما أغاظهم من ذلك وكرهوه ، وهو عطف على « يدخل » ، وفي تقديم المنافقين على المشركين ما لا يخفى من الدلالة على أنهم أحق منهم بالعذاب .
الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ
أي : ظن الأمر السّوء ، وهو ألا ينصر اللّه رسوله والمؤمنين ، ولا يرجعهم إلى مكة ، فالسّوء عبارة عن رداءة الشيء وفساده ، يقال : فعل سوء ، أي : مسخوط فاسد .
عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ
أي : ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين ، وهو دائر عليهم وحائق بهم . وفيه لغتان : فتح السين وضمها ، كالكره والكره ، والضّعف والضّعف ، غير أن المفتوح غلب عليه أن يضاف إليه ما يراد ذمّه من كلّ شئ ، وأما السوء فجار مجرى الشيء الذي هو نقيض الخير ، أي : الدائرة التي يذمونها ويسخطونها دائرة عليهم ، ولا حقة بهم ،
وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً
لهم ، وهو عطف لما استوجبوه في الآخرة على ما استوجبوه في الدنيا ، وعطف « ولعنهم » وما بعده بالواو ، مع أن حقهما الفاء المفيدة للسببية ؛ إيذانا باستقلال كلّ واحد منهما بالوعيد ، وأصالته ، من غير اعتبار استتباع بعضها لبعض .
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، إعادة لما سبق ، وفائدتها : التنبيه على أن للّه جنود الرّحمة وجنود العذاب ، كما ينبئ عنه التعرض لوصف العزة في قوله :
وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً
أي : غالبا ، فلا يردّ بأسه
حَكِيماً
فلا يعترض صنعه . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : هو الذي أنزل السكينة في قلوب المتوجهين ، حتى سكنوا لصدمات تجلى الجلال ، وأنوار الجمال ، وسكنوا تحت مجارى الأقدار ، كيفما برزت ، بمرارة أو حلاوة . قال القشيري : والسكينة : ما يسكن إليه القلب من أنوار الإيمان والإيقان ، أو العرفان بمشاهدة العيان ، بل الاستغراق في بحر العين بلا أين . ه . « 1 » ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ، فيترقوا من مقام الإسلام إلى مقام الإيمان ، ومن مقام الإيمان إلى مقام الإحسان ، أو من علم اليقين إلى عين اليقين ، ومن عين اليقين إلى حق اليقين ، أو من المراقبة إلى المشاهدة ، أو من رؤية الأسباب إلى مسبب الأسباب .
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
وهي الجنود التي يمد اللّه بها الرّوح في محاربتها للنفس ، حتى تغلبها وتستولى عليها ، وهي اليقين ، والعلم ، والذكر ، والفكر ، والواردات الإلهية ، التي تأتى من حضرة القهار ، فتدمغ
هامش
( 1 ) لم أقف على النّص في مظانه في تفسير القشيري .