تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
قيل : هم ناس من قريش ، وقيل : من الأنصار ، وقيل : من آمن من أهل الكتاب ، والمختار أنه عام ،
وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ
صلى اللّه عليه وسلم ، وهو القرآن ، وخص بالذكر من بين ما يجب الإيمان به ؛ تنويها بشأنه ، وتنبيها على سمو مكانه من بين ما يجب الإيمان به ، وأنه الأصل في الكل ؛ ولذلك أكّده بقوله :
وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ
أي : القرآن ، لكونه ناسخا لغيره من الكتب ، وقيل : دين محمد - صلّى اللّه عليه وسلم ؛ إذ لا يرد عليه النّسخ ، وهو ناسخ لسائر الأديان ،
كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ
أي : ستر بالإيمان والعمل الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي ؛ لرجوعهم عنها بالتوبة
وَأَصْلَحَ بالَهُمْ
أي : حالهم وشأنهم ، بالتوفيق لأمور الدين ، وبالتسليط على الدنيا ، بما أعطاهم اللّه من النّصرة والعزة والتمكين في البلاد .
ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ
أي : ذلك الأمر ، وهو إضلال أعمال أهل الكفر ، وتكفير سيئات أهل الإيمان ، وإصلاح شأنهم ؛ كائن بسبب اتباع هؤلاء الباطل ؛ وهو الشيطان ، حيث فعلوا ما فعلوا من الكفر والصد ، واتباع هؤلاء الحق ، وهو القرآن ، أو ما جاء به صلّى اللّه عليه وسلم ، أو يراد بالباطل : الزائل الذاهب من الدّين الفاسد ، وبالحق : الدين الثابت ، أو يراد بالباطل : نفس الكفر والصد ، وبالحق : نفس الإيمان والأعمال الصالحة .
كَذلِكَ
أي : مثل الضرب البديع
يَضْرِبُ اللَّهُ
أي : يبين
لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ
أي : أحوال الفريقين ، وأوصافهما ، الجارية في الغرابة مجرى الأمثال ، وهو اتباع الأولين الباطل ، وخيبتهم وخسرانهم ، واتباع الآخرين الحقّ ، وفوزهم وفلاحهم ، والضمير راجع إلى النّاس ، أو إلى المذكورين من الفريقين ، على معنى : أنه يضرب أمثالهم لأجل النّاس ليعتبروا بهم ، وقد جعل اتباع الباطل مثلا لعمل الكافرين ، واتباع الحق مثلا لعمل المؤمنين ، أو جعل الإضلال مثلا لخيبة الكفار ، وتكفير السيئات مثلا لفوز الأبرار . الإشارة : الذين كفروا بوجود الخصوصية ، وصدوا النّاس عنها ؛ أبطل سيرهم إليه ، فكلما ساروا رجعوا ، والذين آمنوا الإيمان الكامل واتبعوا السنة النّبوية ، ستر مساوئهم ، وأصلح شأنهم ، حتى صلحوا لحضرته . قال القشيري : الذين كفروا : امتنعوا ، وصدوا : منعوا « 1 » ، فلا متناعهم عن اللّه استوجبوا العقوبة ، ولمنعهم الخلق عن اللّه استوجبوا الحجبة . ثم قال في قوله :
وَأَصْلَحَ بالَهُمْ
: فالكفر للأعمال محبط ، والإيمان للخلود مسقط ، ويقال : الذين اشتغلوا بطاعة اللّه ، ولم يعملوا شيئا مما خالف اللّه - فلا محالة - يقوم اللّه بكفاية أشغالهم . ه .
هامش
( 1 ) في القشيري : وصدوا فمنعوا .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 354 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان