تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
أنه أصلح ذات يوم طعاما كثيرا ، ودعا نفرا يسيرا ، منهم الأوزاعي والثوري ، فقال له الثوري : أما تخاف أن يكون هذا إسرافا ؟ فقال : ليس في الطعام إسراف ، إنما الإسراف في الثياب والأثاث ، ودفع أيضا إلى بعض إخوانه دراهم ، فقال : خذ لنا بهذه زبدا وعسلا وخبزا حواري « 1 » ، فقال : يا أبا إسحاق : هذا كله ؟ قال : ويحك إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال ، وإذا عدمنا صبرنا صبر الرّجال ، وإن معروفا الكرخي كأن يهدى له طيبات الطعام ، فيأكل ، فيقال له : إن أخاك بشرا كان لا يأكل من هذا ، فيقول : أخي بشر قبضه الورع ، وأنا بسطتنى المعرفة ، وإنما أنا ضيف في دار مولاي ، إذا أطعمني أكلت ، وإذا جوّعنى صبرت ، مالي وللاعتراض والتمييز . ه . والحاصل : أن النّاس أقسام ثلاثة : عوام ، لا همة لهم في السير ، وإنما قنعوا أن يكونوا من عامة أهل اليمين . فهؤلاء يأخذون كلّ ما أباحته الشريعة ، إذ لا سير لهم حتى يخافوا من تخلفهم ، وخواص ، نهضت همتهم إلى اللّه ، وراموا الوصول إليه ، وهم في السير لم يتحقق وصولهم ، أو من العبّاد والزهاد ، يخافون إن تناولوا المستلذات تفتّرت عزائمهم ، فهؤلاء يتأكد في حقهم ترك الحظوظ والشهوات ، والقسم الثالث : خواص الخواص ، قد تحقق وصولهم ، ورسخت أقدامهم في المعرفة ، فهؤلاء لا كلام معهم ، ولا ميزان عليهم . قال في الإحياء ، بعد كلام : وأكل الشهوات لا يسلّم إلا لمن نظر من مشكاة الولاية والنّبوة ، فيكون بينه وبين اللّه علامة في استرساله وانقباضه ، ولا يكون ذلك إلا بعد خروج النّفس من طاعه الهوى والعادة بالكلية ، حتى يكون أكله إذا أكل بنية ، كما يكون إمساكه بنية ، فيكون عاملا له في إفطاره وإمساكه . ثم قال : وينبغي أن يتعلم الحزم من عمر ، فإنه كان يرى النّبىّ صلّى اللّه عليه وسلم يحب العسل ويأكله ، ثم لم يقس نفسه عليه ، بل لمّا عرض عليه ماء مبّرد بالعسل جعل يدير الإناء في كفه ، ويقول : أشربها فتذهب حلاوتها وتبقى تباعتها ، اعزلوا عنى حسابها ، وتركها ، رضي اللّه عنه « 2 » . ثم ذكر وبال من تمتع بدنياه ، وأعرض عن أخراه ، فقال :

[ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 21 إلى 25 ]

وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 21 ) قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 22 ) قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ( 23 ) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ ( 24 ) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ( 25 )
هامش
( 1 ) الحوارى هو الدقيق الأبيض ، وهو لباب الدقيق وأجوده وأخلصه . انظر اللسان ( حور 2 / 1044 ) . ( 2 ) ذكره بنحوه ابن الجوزي في مناقب أمير المؤمنين ( ص 164 ) عن ثابت .