تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
الإشارة : عقوق الأساتيذ « 1 » أقبح من عقوق الوالدين ، كما أن برهما أوكد ؛ لأن الشيخ أخرجك من ظلمة الجهل إلى نور المعرفة باللّه ، والوالدان أخرجاك إلى دار التعب ، معرض لأمرين ، إما السلامة أو العطب ، والمراد بالشيخ هنا شيخ التربية ، لا شيخ التعليم ، فلا يقدّم حقه على حق الوالدين ، هذا ومن يسّر اللّه عليه الجمع بين بر الوالدين والشيخ فهو كمال الكمال . وباللّه التوفيق . ثم ذكر جزاء العاقّ المنكر للبعث ، فقال .

[ سورة الأحقاف ( 46 ) : آية 20 ]

وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ( 20 ) قلت : « ويوم » : منصوب بقول مقدّر قبل « أذهبتم » أي : يقال لهم : أذهبتم طيباتكم يوم عرضكم ، أو بالذكر ، وهو أحسن . يقول الحق جل جلاله :
وَ
اذكر
يَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ
أي : يعذّبون بها ، من قولهم : عرض بنو فلان على السيف ، إذا قتلوا به ، وقيل : المراد : عرض النّار عليهم ، من قولهم : عرضت النّاقة على الحوض ، يريدون : عرض الحوض عليها ، فقلبوا . وإذا عرضوا عليها يقال لهم :
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ
أي : أخذتم ما كتب لكم من حظوظ الدنيا ولذائذها
فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا
فقد قدمتم حظكم من النّعيم في الدر الفانية . قال ابن عرفة : قيل : المراد بالطيبات المستلذات ، والظاهر : أن المراد أسباب المستلذات ، أي : الأسباب التي تتوصلون بها إلى نيل المستلذات في الدر الآخرة ، إذ نسيتموها في الدنيا ، أي : تركتموها ولم تفعلوها . ه . قلت : يبعده قوله :
وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها
أي : فلم يبق ذلك لكم شيئا منها ، بل قدمتم جنتكم في دنياكم . وعن عمر - رضي اللّه عنه : لو شئت كنت أطيبكم طعاما ، وألينكم لباسا ، ولكني أستبقى طيباتى . ولما قدم الشام صنع له طعام لم ير قبله مثله ، قال : هذا لنا ، فما للفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير ؟ قال خالد : لهم الجنة ، فاغرورقت عينا عمر وبكى ، وقال : لئن كان حظنا من الحطام ، وذهبوا بالجنة ، لقد باينونا بونا بعيدا « 2 » .
هامش
( 1 ) أساتيذ جمع أستاذ . ويجمع أيضا على أساتذة وأستاذين ، وهو فارسي معرّب ، والأستاذ : المعلم والمقرئ والعالم ، وأستاذ الصناعة : رئيسها . انظر محيط المحيط ( ص 9 ، مادة الأستاذ ) . ( 2 ) انظر هذه الأخبار وغيرها في كتاب « مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب » لابن الجوزي / 153 - 167 .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 338 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان