تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
وقوله تعالى :
اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ
، اعلم أن لطفه سبحانه بعباده لا ينحصر ولا ينفك عنه مخلوق ، من ظن انفكاك لطف اللّه عن قدره فذلك لقصور نظره ، فمن لطفه سبحانه بخلقه : أنه أعطاهم فوق الكفاية ، وكلّفهم دون الطاقة . ومن لطفه سبحانه : تسهيله الأرزاق ، وتيسير الارتفاق ، فلو تفكر الإنسان في اللقمة التي توضع بين يديه ، ما ذا عمل فيها من العوالم العلوية والسفلية ؛ لتحقق بغاية عجزه ، وتيقن بوجود لطفه ، وكذا ما يحتاج إليه من مشروب ، وملبوس ، ومطعوم . ومن لطفه سبحانه : توفيق الطاعات ، وتسهيل العبادات ، وتيسير الموافقات . ومن لطفه سبحانه : حفظ التوحيد في القلوب ، واطلاعها على مكاشفة الغيوب ، وصيانة العقائد عن الارتياب ، وسلامة القلوب عن الاضطراب . ومن لطفه سبحانه : إبهام العاقبة ؛ لئلا يتكلوا أو ييأسوا . ومن لطفه سبحانه بالعبد : إخفاء أجله عليه ؛ لئلا يستوحش إن كان قد دنا أجله . ومن لطفه سبحانه بخواصه : ستر عيوبهم ، ومحو ذنوبهم ، حتى وصلهم بما منه إليهم ، لا بما منهم إليه ، فكشف لهم عن أسرار ذاته ، وأنوار صفاته ، فشاهدوه جهرا ، وعبدوه شكرا . وقوله تعالى :
يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ
إما رزق الأرواح ، أو رزق الأشباح ، وإلى هذا القسمين أشار قوله :

[ سورة الشورى ( 42 ) : آية 20 ]

مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ( 20 ) يقول الحق جل جلاله :
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ
، سمّى ما يعمله العامل مما يبتغى به الفائدة المستقبلة حرثا ، مجازا ؛ لأن الحرث : إلقاء البذر في الأرض لننظر نتاجه ، فأطلقه على العمل ، لجامع حصول النتاج ، أي : من كان يريد بأعماله ثواب الآخرة
نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ
؛ نضاعف له ثوابه ، الواحدة بعشر إلى سبعمائة فما فوقها ، أو : نزد له في توفيقه وإعانته ، وتسهيل سبيل الخيرات والطاعات عليه .
وَمَنْ كانَ يُرِيدُ
بأعماله
حَرْثَ الدُّنْيا
وهو متاعها وطيباتها
نُؤْتِهِ مِنْها
أي : شيئا منها ، حسبما قسمناه له ، لا ما يريده ويبتغيه ،
وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ
إذا كانت همته مقصورة على الدنيا . ولم يذكر في عامل الآخرة أن رزقه المقسوم يصل إليه ، للاستهانة بذلك إلى جنب ما هو بصدده ، من زكاء أعماله ، وفوزه في المآب ؛ لأن ما يعطى في الآخرة يستحقر أن يذكر معه غيره من الدنيا . الإشارة : قد مرّ مرارا ذم الدنيا وصرف الهمة إليها ، وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري : أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول في بعض خطبه : « أيها النّاس ، أقبلوا على ما كلفتموه من صالح آخرتكم ، وأعرضوا عما ضمن لكم من أمر
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 208 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان