تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
ويستر المثالب « 1 » ، أو : يعفو عمّن يهفو ، أو : من يعطى العبد فوق الكفاية ، ويكلّفه من الطاعة دون الطاقة . وقال شيخ شيوخنا ، سيدي عبد الرّحمن الفاسي رضي اللّه عنه : الظاهر حمل العباد على من اصطفاه ، بدليل الإضافة المفيدة للتشريف ، وأنه تعالى لطيف بهم رفيق ، ومن ذلك : حمايتهم من الدنيا ، ومما يطغى من الرّزق ، وعليه ينزل قوله :
يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ
. ه . أي : يرزق على حسب مشيئته ، المبنية على الحكم البالغة . وفي الحديث : « إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى ، ولو أفقرته لأفسده ذلك ، وإنّ من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الفقر ، ولو أغنيته لأفسده ذلك » « 2 » . وأما قوله تعالى :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
« 3 » فهو وعد لجميع الخلق ، وهو مبنى على المشيئة المذكورة هنا ، فلا منافاة بينهما ، خلافا لابن جزى « 4 » ؛ لأن المشيئة قاضية على ظاهر الوعد ، ولا يقضى ظاهر الوعد عليها « 5 » . انظر الحاشية .
وَهُوَ الْقَوِيُّ
؛ الباهر القدرة ، الغالب على كلّ شئ ،
الْعَزِيزُ
المنيع ؛ الذي لا يغلب . الإشارة : الميزان هو العقل ؛ إذ به تعرف الأشياء ومقاديرها ، نافعها وضارها . فالعقول متفاوتة كالموازين ، فبعض الموازين لرقته لا يوزن فيها إلا الشيء الرّفيع ، كالذهب ، والإكسير ، والفضة ، والطيب الرّفيع ، وبعضها يصلح لوزن الأشياء اللطيفة ، دون الخشينة ، كميزان العطار وشبهه ، وبعضها يصلح للأشياء الخشينة المتوسطة ، كميزان الغزالين والحاكة ، وبعضها لا يصلح إلا للخشين ، كالفحم وشبه ، وبعضها لا يصلح إلا للخشين الكثير ، كالذي يوزن به القناطير من الشيء الخشين ، فالأول عقول العارفين ، لا يوزن فيها إلا أنوار التوحيد وأسرار التفريد ، لا يصلح لغيرها ، والثاني للعباد ، والزهاد ، والعلماء الصالحين ، والثالث للمتجمدين من العلماء ، والرّابع لعامة المؤمنين ، والخامس للفجار والكفار ، وفيهم نزل :
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها . . .
الآية ، وما قبله هو قوله :
وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها
.
هامش
( 1 ) في الأصول [ المثاقب ] والمثبت من تفسير النّسفى - رحمه اللّه تعالى - . ( 2 ) أخرجه الديلمي ( الفردوس 5 / 250 ح 8100 ) والبيهقي في الأسماء والصفات ( ص 121 ) ، وأخرجه مطولا البغوي في التفسير ( 7 / 194 - 195 ) . وعزاه السيوطي في الدر ( 5 / 704 - 705 ) لابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء ، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، وابن مردويه ، وأبى نعيم في الحلية ( 8 / 318 ) ، وابن عساكر في تاريخه ، عن أنس بن مالك ، رضي اللّه عنه . وانظر كشف الخفاء ( 1737 ) . ( 3 ) من الآية 6 من سورة هود . ( 4 ) قال ابن جزى - رحمه اللّه تعالى :يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُيعنى الرّزق الزائد على المضمون لكلّ حيوان في قوله :وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها *أي : ما تقوم به الحياة ، فإن هذا على العموم لكلّ حيوان طول عمره ، ولزائد خاص بمن شاء اللّه . ( 5 ) وجدت على هامش النّسخة الأساسية ما يلي : « الحق ما قاله ابن جزى ، وأن المشيئة متعلقة بالتوسعة المسماة في العرف رزقا أيضا ، لا بأصل الرّزق ، ويدل على ذلك قوله تعالى عقب هذا مباشرة :مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ . . .الآية ، ولا مجملة فهي بمعنى قوله تعالى :اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ . . .. . . فهذا قوله تعالى :وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌفالجمع لا بد منه ، والمشيئة متعلقة بوقت الجمع . انتهى .