تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
يقول الحق جل جلاله :
لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ
أي : جنسه ، أو : الكافر ، بدليل قوله :
وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً
« 1 » ، أي : لا يملّ
مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ
؛ من طلب السعة في المال والنّعمة ، ولا يملّ عن إرادة النّفع والسلامة ، والتقدير : من دعائه الخير ، فحذف الفاعل وأضيف إلى المفعول ،
وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ
؛ الفقر والضيق ،
فَيَؤُسٌ
من الخير
قَنُوطٌ
من الرّحمة ، أي : لا يرجو زواله ؛ لعدم علمه بربه ، وانسداد الطريق على قلبه في الرّجوع إلى ربه ، بولغ فيه من طريقين : من طريق بناء فعول ، ومن طريق التكرير ؛ لأن اليأس هو القنط ، والقنوط : أن يظهر أثر اليأس فيتضاءل وينكسر ، ويظهر الجزع ، وهذا صفة الكافر لقوله :
إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ
« 2 » . وقال الإمام الفخر : اليأس على أمر الدنيا من صفة القلب ، والقنوط : إظهار آثاره على الظاهر . ه .
وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي
أي : وإذا فرجنا عنه بصّحة بعد مرض ، أو : سعة بعد ضيق ، قال :
هذا لِي
أي : هذا قد وصل إلىّ لأنى استوجبته بما عندي من خير ، وفضل ، وأعمال برّ ، أو : هذا لي لا يزول عنى أبدا ،
وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً
أي : ما أظنها تقوم فيما سيأتي ،
وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي
كما يقول المسلمون ،
إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى
أي : الحالة الحسنى من الكرامة والنّعمة ، أو : الجنة . قاس أمر الآخرة على أمر الدنيا ؛ لأن ما أصابه من نعم الدنيا ، زعم أنه لاستحقاقه إياها ، وأن نعم الآخرة كذلك . وهذا غرور وحمق ، الرجاء ما قارنه عمل ، وإلا فهو أمنية ، « الجاهل من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على اللّه ، والكيّس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت » « 3 » .
فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا
أي : فلنخبرنهم بحقيقة ما عملوا من الأعمال الموجبة للعذاب ،
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ
؛ شديد ، لا يفتر عنهم .
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ
، هذا ضرب آخر من طغيان الإنسان ؛ إذا أصابه اللّه بنعمته ؛ أبطرته النعمة ، وأعجب بنفسه ، فنسى المنعم ، وأعرض عن شكره ،
وَنَأى بِجانِبِهِ
؛ وتباعد عن ذكر اللّه ودعائه
هامش
( 1 ) من الآية 36 من سورة الكهف . ( 2 ) من الآية 87 من سورة يوسف . ( 3 ) هذا حديث نبوي شريف . أخرجه ابن ماجة في ( الزهد ، باب ذكر الموت والاستعداد له ، 2 / 1423 ، ح 4260 ) والترمذي في ( صفة القيامة ، باب 25 ، 4 / 550 ح 2459 ) والحاكم ( 4 / 251 ) عن شداد بن أوس رضي اللّه عنه . بلفظ : « الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على اللّه ، قال الترمذي : حديث حسن .