تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
وفي الإحياء : المقتدى به هو الذي استقام في نفسه ، واستنار قلبه فانتشر نوره إلى غيره ، لا من يظهر خلاف ما هو عليه ليقتدى به ، فإنه ملبّس ، لم ينصح لنفسه ، فكيف بغيره ؟ . ه . قال الورتجبي : ومن أحسن قولا ممن دعا إلى اللّه ، أي : ممن عرف اللّه بعد أن رآه وأحبه واشتاق إليه ، ودعا الخلق إليه ، من حيث هو فيه وصدقه في حاله ، يدعو الخلق إلى اللّه بلسان الأفعال ، وصدق المقال ، وحلاوة الأحوال ، ويذكر لهم شمائل القدم وحق الربوبية ، ويعرفهم صفات الحق وجلال ذاته ، ويحبب اللّه في قلوبهم ، وهذا عمله الصالح ، ثم يقول بعد كماله وتمكنه : إنني واحد من المسلمين ، من تواضعه ولطف حاله خلقا وظرافة ، وإن كان إسلامه من قصارى - أي : غاية - أحوال المستقيمين . قال سهل : أي : ممن دلّ على اللّه ، وعلى عبادة اللّه وسنّة رسوله ، واجتناب المناهي ، وإدامة الاستقامة مع اللّه ، ثم قال :
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ
بيّن اللّه هنا أن الخلق الحسن ليس كالخلق السيئ ، وأمر بتبديل الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة ، وأحسن الأخلاق : الحلم ؛ إذ يكون به العدو صديقا ، والبعيد قريبا ، حين دفع غضبه بحلمه ، وظلمه بعفوه ، وسوء جانبه بكرمه ، وفي مظنة الخطاب : أن من كان متخلقا بخلقه ، متصفا بصفاته ، مستقيما في خدمته ، صادقا في محبته ، عارفا بذاته وصفاته ، ليس كالمدعى الذي ليس في دعواه معنى . ثم قال :
وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا
، بيّن اللّه سبحانه ألا يبلغ أحد درجة الخلق الحسن ، وحسنات الأعمال وسنيّات الأفعال ، إلا من تصبّر في بلاء اللّه ، وامتحانه ، بالوسائط وغير الوسائط ، ولا يتحمل هذه البليات إلا ذو حظ عظيم من مشاهدته ، وذو نصيب من قربه ووصاله ، صاحب معرفة كاملة ، ومحبة شاملة . وكمال هذا الصبر الاتصاف بصبر اللّه ، ثم الصبر في مشاهدة الأزل ، فبالصبر الاتصافى ومشاهدة الأبدي ، والحظ الجمالي ، يوازى طوارق صدمات الألوهية ، وغلبات القهّارية . ثم قال : عن الجنيد : ما يوفق لهذا المقام إلا ذو حظ عظيم من عناية الحق فيه . ه . ثم بيّن دلائل توحيده ، فقال :

[ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 37 إلى 39 ]

وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 37 ) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ ( 38 ) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 39 )
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 180 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان