تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 587

مساهمون:

ص٥٨٧
دليل على أن العظم تحله الحياة ، فإذا مات صار نجسا ، وهو مذهب مالك والشافعي ، وقال أبو حنيفة : لا تحلّه الحياة ، فهو طاهر كالشعر والعصب .
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها
؛ خلقها
أَوَّلَ مَرَّةٍ
أي : ابتداء ،
وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ
؛ مخلوق
عَلِيمٌ
لا يخفى عليه أجزاؤه ، وإن تفرقت في البر أو البحر ، فيجمعه ، ويعيده كما كان . ثم ذكر برهان إحيائه الموتى بقوله :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ
، كالمرخ والعفار ،
ناراً ، فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ
؛ تقدحون ، ولا تشكون أنها نار خرجت منه ، فمن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر ، مع ما فيه من المائية ، المضادة للنار ، كان أقدر على إيجاد الحياة والغضاضة فيما غضا ويبس ، وهي الزناد عند العرب ، وأكثرها من المرخ والعفار ، وفي أمثالهم : « في كلّ شجر نار ، واستمجد المرخ والعفار » أي : استكثر في هذين الصنفين . وكان الرجل يقطع منهما غصنين مثل السواكين ، وهما خضراوان ، يقطر منهما الماء ، فيسحق المرخ - وهو ذكر - على العفار - وهي أنثى ، فينقدح النار بإذن اللّه تعالى . وعن ابن عباس رضي اللّه عنه : ليس من الشجر شجرة إلا وفيها نار ، إلا العناب ؛ لمصلحة الدقّ للثياب . والمرخ - ككتف : شجر سريع الورى . قاله في الصحاح . وهو المسمى عندنا بالكلخ . وفي القاموس : عفار كسحاب : شجر يتخذ منه الزناد . قال ابن عطية : النار موجودة في كل عود ، غير أنها في المتحلحل ، المفتوح المسام ، أوجد ، وكذلك هو المرخ والعفار . ه .
أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
مع كبر جرمهما ، وعظم شأنهما
بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ
؛ مثل أجسامهم في الصّغر والحقارة ، بالإضافة إلى السماوات والأرض ، أو : أن يعيدهم مثل ما كانوا عليه في الذات والصفات ؛ لأن المعاد مثل المبدأ ، بل أسهل ،
بَلى
أي : قل : بلى هو قادر على ذلك ،
وَهُوَ الْخَلَّاقُ
؛ كثير الخلق والاختراع ،
الْعَلِيمُ
بأحوال خلقه ، أو : كثير المخلوقات والمعلومات .
إِنَّما أَمْرُهُ
؛ شأنه
إِذا أَرادَ شَيْئاً
يكونه
أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
فيحدث ، أي : فهو كائن موجود ، لا محالة . وهو تمثيل لتأثير قدرته في الأشياء ، بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور ، من غير امتناع وتوقف ، من غير أن يحتاج إلى كاف ولا نون ، وإنما هو بيان لسرعة الإيجاد ، كأنه يقول : كما لا يثقل عليكم قول « كن » ، فكذلك لا يصعب على اللّه إنشاؤكم وإعادتكم . قال الكواشي : ثم أومأ إلى كيفية خلقه الأشياء المختلفة في الزمان المتحد ، وذلك ممتنع على غيره ، فقال :
إِنَّما أَمْرُهُ . . .
الآية ، فيحدث من غير توقف ، فمن رفع « فيكون » ،