تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 533

مساهمون:

ص٥٣٣
يقول الحق جل جلاله :
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ
أي : لا يستوى الكافر والمؤمن ، أو الجاهل والعالم . وقيل : هما مثلان للصنم وللّه تعالى .
وَلَا الظُّلُماتُ
كالكفر والجهل ،
وَلَا النُّورُ
كالإيمان والمعرفة ،
وَلَا الظِّلُّ
كنعيم الجنان ،
وَلَا الْحَرُورُ
كأليم النيران . والحرور : الريح الحارّ كالسموم ، إلا أن السموم يكون بالنهار ، والحرور يكون بالليل والنهار . قاله الفرّاء .
وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ
، تمثيل آخر للمؤمنين والكافرين ، أبلغ من الأول ، ولذلك كرر الفعل ، وقيل : للعلماء والجهال . وزيادة « لا » في الجميع للتأكيد ، وهذه الواوات بعضها ضمت شفعا إلى شفع ، وبعضها وترا إلى وتر .
إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ
بهدايته وتوفيقه لفهم آياته والاتعاظ بها .
وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ
، شبّه الكفار بالموتى ، حيث لا ينتفعون بمسموعهم ، مبالغة في تصاممهم ، يعنى أنه تعالى علم من يدخل في الإسلام ممن لا يدخل فيهدى من يشاء هدايته ، وأما أنت فخفى عليك أمرهم ، فلذلك تحرص على إسلام قوم مخذولين ، فإنذار هم كإنذار من في القبور من الموتى . قال ابن عطية : الآية تمثيل بما يحسّه البشر ، ويعهده جميعنا من أنّ الميت الذي في القبر لا يسمع ، وأما الأرواح ؛ فلا نقول : إنها في القبر ، بل تتضمن الأحاديث أن أرواح المؤمنين في شجر عند العرش ، وفي قناديل وغير ذلك « 1 » ، وأن أرواح الكفرة في سجّين ، ويجوز في بعض الأحيان أن تكون الأرواح عند القبور ، فربما سمعت ، وكذلك أهل قليب بدر ، إنما سمعت أرواحهم ، فلا تعارض بين الآية وحديث القليب . ه « 2 » . ثم قال تعالى :
إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ
أي : ما عليك إلا التبليغ والإنذار ، فإن كان المنذر ممن يسمع الإنذار نفعه ، وإن كان من المصريين فلا عليك .
إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ
أي : محقا ، أو : محقين ، أو : إرسالا مصحوبا بالحق ، فهو حال من الفاعل ، أو المفعول ، أو صفة لمصدر محذوف ،
بَشِيراً
لمن آمن
وَنَذِيراً
لمن كفر ،
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ
أي : ما من أمة من الأمم الماضية ، قبل أمتك ، إلا فيها نذير ؛ نبىّ ، أو عالم ، يخوفهم . ويقال لأهل كل عصر : أمة . والمراد هنا : أهل العصر . قال ابن عطية : معناه : أن دعوة اللّه تعالى قد عمّت جميع الخلق ، وإن كان فيهم من لم تباشره النّذارة ، فهو ممن بلغته الدعوة ، لأن آدم بعث إلى بنيه ، ثم لم تنقطع النذارة إلى وقت محمد صلى اللّه عليه وسلم . والآية
هامش
( 1 ) من هذه الأحاديث ما أخرجه الدارمي في ( الجهاد ، باب أرواح الشهداء ) عن مسروق ، قال : سألنا عبد اللّه في أرواح الشهداء ولولا عبد اللّه لم يحدثنا أحد . قال : أرواح الشهداء عند اللّه يوم القيامة في حواصل طير خضر ، لها قناديل معلقة بالعرش ، تسرح في أىّ الجنة حيث شاءت ، ثم ترجع إلى قناديلها ، فيشرف عليهم ربهم ، فيقول : ألكم حاجة ؟ تريدون شيئا ؟ فيقولون : لا ، إلا أن نرجع إلى الدنيا فنقتل مرة أخرى . ( 2 ) النقل باختصار .