الإشارة : بحر الشريعة عذب فرات ، سائغ شرابه ، وبحر الحقيقة ملح أجاج ؛ لأنه مرّ على النفس ، يحتاج ركوبه إلى بذل المهج والنفوس ، وحط الرؤوس ، وبذل الأموال ، ورفض الأوطان والدنيا وأهلها . بخلاف الشريعة ، فلا تحتاج إلى هذا كله ، وإن كانت متوقفة على مشاق التعلم والتدريس ، ولكن تنال مع بقاء عز النفس والمال والجاه ، وغير ذلك . ومن كلّ تأكلون لحما طريا ، فبحر الشريعة ينال منه حلاوة المعاملة الظاهرة ، وبحر الحقيقة يأكل منه حلاوة الشهود والمعرفة . وترى سفن الأفكار في بحار الأحدية ، مواخر ، تجول في عظمة بحر الجبروت والملكوت ، ولتبتغوا من فضله تمام معرفته ، ولتكونوا من الشاكرين ، أي : ممن يعبد شكرا ، لا قهرا .
قال القشيري : وما يستوى الوقتان ، هذا بسط ، وصاحبه في روح ، وهذا قبض ، وصاحبه في نوح . هذا خوف وصاحبه في اجتياح ، وهذا رجاء وصاحبه في ارتياح . قلت : الرجاء عذب ، والخوف ملح ، خلاف ما يقتضى كلامه . ثم قال : هذا فرق ، وصاحبه بوصف العبودية ، وهذا جمع ، وصاحبه بشهود الربوبية .
ثم ذكر دليلا آخر ، فقال :
[ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 13 إلى 14 ]
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ( 13 ) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ( 14 )
يقول الحق جل جلاله :
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ ، وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ
أي : يدخل من ساعات أحدهما في الآخر ، حتى يصير الزائد منهما خمس عشرة ساعة ، والناقص تسعا .
وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
؛ ذللها لما يراد منهما ،
كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى
أي : يوم القيامة ، فينقطع جريهما ،
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ
، الإشارة إلى فاعل هذه الأشياء ، وهي : مبتدأ ، و « اللّه » وما بعده : أخبار ،
لَهُ الْمُلْكُ
؛ له التصرف التام .
وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ
؛ من الأصنام ، أي : تعبدونهم ،
ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ
؛ وهي القشرة الرقيقة الملتفة على النواة ، كما أن النقير : النقطة في ظهره . وهما كنايتان عن حقارة الشيء وتصغيره .