تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
قربهم وحضورهم ؛ مثل العامل في ليلة القدر ، العمل فيها ، لمن وافقها ، خير من ألف شهر . وقد قال بعض العلماء : كل ليلة للعارف بمنزلة ليلة القدر . ه . منه . ثم ذكر دلائل قدرته ؛ تتميما لقوله :
إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
، فقال :

[ سورة فاطر ( 35 ) : آية 12 ]

وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 12 ) يقول الحق جل جلاله :
وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ
في العذوبة والملوحة ، بل هما مختلفان ، والماء واحد ،
هذا عَذْبٌ فُراتٌ
أي : شديد العذوبة . وقيل : هو الذي يكسر العطش ؛ لشدة برودته ،
سائِغٌ شَرابُهُ
أي : سهل الانحدار ، مرىء ، لعذوبته ،
وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ
؛ شديد الملوحة ، وقيل : الذي تحرق ملوحته .
وَمِنْ كُلٍّ
أي : من كل واحد منهما
تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا
، وهو السمك ،
وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً
وهي اللؤلؤ والمرجان . قيل : من الملح فقط . وقيل : منهما . قال بعضهم : نسب استخراج الحلية إليهما ؛ لأنه تكون في البحر عيون عذبة ، تمتزج بماء الملح ، فيكون اللؤلؤ من ذلك ه .
تَلْبَسُونَها
أي : نساؤكم ؛ لأن القصد بالتزين هو الرجال .
وَتَرَى الْفُلْكَ
؛ السفن ،
فِيهِ مَواخِرَ
؛ شواقّ للماء بجريها ، يقال : مخرت السفينة الماء : شقّته ، وهي جمع ماخرة ،
لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
؛ من فضل اللّه ، ولم يتقدم له ذكر في الآية ؛ ولكن فيما قبلها ، ولو لم يجر له ذكر ، لم يشكل لدلالة المعنى عليه .
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
اللّه على ما أولاكم من فضله . وقيل : هو ضرب مثل للكافر والمؤمن ، فالمؤمن ، يجرى عذب فرات ، والكافر ملح أجاج . ثم ذكر - على سبيل الاستطراد - ما يتعلق بالبحرين من نعم اللّه وعطائه . ويحتمل أن يكون على غير الاستطراد ، وهو أن يشبّه الجنسين ، ثم يفضّل البحر الأجاج على الكافر ، وهو ما خص به من المنافع ، كاستخراج اللؤلؤ ، والمرجان ، والسمك ، وجرى الفلك فيه ، وغير ذلك . والكافر خلوّ من المنافع بالكلية ، فهو على طريقة قوله تعالى :
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
ثم قال :
وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ . .
« 1 » .
هامش
( 1 ) الآية 74 من سورة البقرة .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 526 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان