قلت : ( ويرى ) : مرفوع ، استئناف ، أو منصوب ، عطف على ( ليجزى ) . و ( الحق ) : مفعول ثان ليرى العلمية .
والمفعول الأول : ( الذي أنزل ) وهو ضمير فصل .
يقول الحق جل جلاله :
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
من الصحابة ، وممن شايعهم من علماء الأمة ومن ضاهاهم ، أو علماء أهل الكتاب الذين أسلموا ، كعبد اللّه بن سلام ، وكعب الأحبار ، أي : يعلمون
الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
؛ يعنى القرآن
هُوَ الْحَقَّ
، لا يرتابون في حقيّته ؛ لما انطوى عليه من الإعجاز ، وبموافقته للكتب السالفة ، على يد من تحققت أميته . أو : ليجزى المؤمنين ، وليعلم أولو العلم عند مجىء الساعة أنه الحق ، علما لا يزاد عليه في الإيقان ، لكونه محل العيان ، كما علموه في الدنيا من طريق البرهان .
وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
، وهو دين اللّه ، من التوحيد ، وما يتبعه من الاستقامة .
الإشارة : أول ما يرتفع الحجاب عن العبد بينه وبين كلام سيده ، فيسمع كلامه منه ، لكن من وراء رداء الكبرياء ، وهو رداء الحس والوهم ، فيجد حلاوة الكلام ويتمتع بتلاوته ، فيلزمه الخشوع والبكاء والرقة عد تلاوته .
قال جعفر الصادق : « لقد تجلى الحق تعالى في كلامه ولكن لا تشعرون » . ثم يرتفع الحجاب بينه وبين الحق تعالى ، فيسمع كلامه بلا واسطة ولا حجاب ، فتغيب حلاوة الكلام في حلاوة شهود المتكلم ، فينقلب البكاء سرورا ، والقبض بسطا . وعن هذا المعنى عبّر الصدّيق عند رؤيته قوما يبكون عند التلاوة ، فقال : « كذلك كنا ولكن قست القلوب » « 1 » فعبر عن حال التمكن والتصلب بالقسوة ؛ لأن القلب قبل تمكن صاحبه يكون سريع التأثر للواردات ، فإذا تمكن واشتد لم يتأثر بشئ . وصراط العزيز الحميد هو طريق السلوك إلى حضرة ملك الملوك . وباللّه التوفيق .
ثم ذكر مقالة أخرى للكفرة ، فقال :
[ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 7 إلى 9 ]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ( 7 ) أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ ( 8 ) أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ( 9 )
هامش
( 1 ) راجع التعليق على إشارة الآية 58 من سورة مريم .