تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 471

مساهمون:

ص٤٧١

سورة سبإ

مكية ، إلا قوله :
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ . .
الآية « 1 » ، فاختلف فيه ، مكي أو مدنى ؟ وهي خمس وخمسون آية . ومناسبتها لما قبلها : قوله :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
« 2 » مع قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
، وكأنه يشير إلى أنه تعالى غنى عمن حمل الأمانة ، ومن لم يحملها ، فمن حملها فلنفسه ، ومن تركها فعليها ، وإن اللّه لغنى عن العالمين ، ولذلك افتتح بالثناء عليه ، فقال :

[ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 1 إلى 2 ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ( 1 ) يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ( 2 ) يقول الحق جل جلاله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ
، إن أجرى على المعهود فهو بما حمد به نفسه محمود ، وإن أجرى على الاستغراق فله لكل المحامد الاستحقاق . واللام في ( لله ) للتمليك ؛ لأنه خالق ناطق الحمد أصلا ، فكان بملكه مالك للحمد ، وللتحميد أهلا ،
الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
خلقا ، وملكا ، وقهرا ، فكان حقيقا بأن يحمد سرا وجهرا ،
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ
كما له الحمد في الدنيا ؛ إذ النعم في الدارين هو موليها والمنعم بها . غير أن الحمد هنا واجب ؛ لأن الدنيا دار التكليف . وثمّ لا ؛ لأن الدار دار التعريف ، لا دار التكليف . وإنما يحمد أهل الجنة سروا بالنعيم ، وتلذذا بما نالوا من الفوز العظيم ، كقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ . .
« 3 » و
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ . .
« 4 » فأشار إلى استحقاقه الحمد في الدنيا بقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
وأشار إلى استحقاقه في الآخرة بقوله :
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ
بتدبير ما في السماوات والأرض ،
الْخَبِيرُ
بضمير من يحمده ليوم الجزاء والعرض .
يَعْلَمُ ما يَلِجُ
: ما يدخل
فِي الْأَرْضِ
من الأموات والدفائن ،
وَما يَخْرُجُ مِنْها
من النبات وجواهر المعادن ،
وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ
من الأمطار وأنواع البركات ،
وَما يَعْرُجُ
؛ يصعد
فِيها
من الملائكة والدعوات ،
وَهُوَ الرَّحِيمُ
بإنزال ما يحتاجون إليه ،
الْغَفُورُ
بما يجترئون عليه . قاله النسفي .
هامش
( 1 ) الآية 6 من السورة . ( 2 ) الآية 72 من سورة الأحزاب . ( 3 ) من الآية 74 من سورة الزمر . ( 4 ) من الآية 34 من سورة فاطر .