تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 465

مساهمون:

ص٤٦٥
في القدر إذا غلت . وخصّت الوجوه ؛ لأنها أكرم موضع على الإنسان من جسده . أو : يكون الوجه كناية عن الجملة . حال كونهم
يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا
في الدنيا ، فنتخلص من هذا العذاب ، فندّموا حيث لم ينفع الندم .
وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا
، والمراد : رؤساء الكفر ، الذين لقنوهم الكفر ، وزيّنوه لهم . وقرأ ابن عامر ويعقوب « ساداتنا » بالجمع ، جمع : سادة ، وسادة : جمع سيد ، فهو جمع الجمع ،
فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا
أي : أتلفونا عن طريق الرشد . يقال : ضلّ السبيل وأضله إياه ، وزيادة الألف للإطلاق .
رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ
أي : مثلي ما آتيتنا منه للضلال والإضلال ،
وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً
« 1 » كثير العدد ، تكثيرا لأعداد اللاعنين ، أو : العنهم المرة بعد المرة . وقرأ عاصم بالباء ، أي : لعنا هو أشد اللعن وأعظمه . وهو يدلّ على تعدد الأجزاء والأفراد . الإشارة : مذهب العباد والزهاد والصالحين : جعل الساعة نصب أعينهم ، لا يغيبون عنها ، فهم يجتهدون في التأهب لها ليلا ونهارا . ومذهب العارفين الموحّدين : الغيبة عنها ، بالاستغراق في شهود الحق ، فلا يشغلهم الحق ، دنيا ولا آخرة ، ولا جنة ولا نار ؛ لما دخلوا جنة المعارف ، غابوا عن كل شئ ، فانخلعوا عن الكونين بشهود المكوّن ، وجعلوا الوجود وجودا واحدا ؛ إذ المتجلى هنا وثم واحد . وإذا كان كبراء الضلال يضاعف عذابهم ، وكان كبراء الهداية يضاعف ثوابهم ، يأخذون ثواب الاهتداء والإرشاد ، فمن دلّ على هدى كان له أجره وأجر من اتبعه إلى يوم القيامة ، ومن اهتدى على يديه أحد جرى عليه أجره ، وكان في ميزانه كل من تبعه كذلك ، وفي ذلك يقول القائل :
والمرء في ميزانه اتباعه * فاقدر إذن قدر النبىّ محمد « 2 »
ثم رجع إلى النهى عن إذاية الرسول ، فقال :

[ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 69 إلى 71 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً ( 69 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ( 70 ) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً ( 71 )
هامش
( 1 ) قرأ عاصم « كبيرا » بالباء ، وقرأ الباقون « كثيرا » بالتاء ، من الكثرة . انظر الإتحاف ( 2 / 378 ) . ( 2 ) انظر ديوان البوصيري ( ص 122 ) ، وفيه :والمرء في ميراثه أتباعه * فاقدر إذن فضل النبي محمد