تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ
؛ على ما ذكر من البغاء ،
فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ
لهن
رَحِيمٌ
بهن ، وفي مصحف ابن مسعود كذلك . وكان الحسن يقول : لهن واللّه . وقيل : للسيد إذا تاب . واحتياجهن إلى المغفرة المنبئة عن سابقة الإثم : إما باعتبار أنهن - وإن كن مكرهات - لا يخلون في تضاعيف الزنا من شائبة مطاوعة ما ، بحكم الجبلّة البشرية ، وإما لغاية تهويل أمر الزنا ، وحث المكرهات على التثبت في التجافي عنه ، والتشديد في تحذير المكرهين ببيان أنهن حيث كنّ عرضة للعقوبة ، لولا أن تداركهن المغفرة ، الرحمة ، مع قيام العذر في حقهن ، فما بالك بحال من يكرههن في استحقاق العقاب ؟
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ
؛ موضّحات ، أو : واضحات المعنى ، والمراد : الآيات التي بينت في هذه السورة ، وأوضحت معاني الأحكام والحدود . وهو كلام مستأنف جئ به في تضاعيف ما ورد من الآيات السابقة واللاحقة ؛ لبيان جلالة شأنها ، المقتضى للإقبال الكلى على العمل بمضمونها . وصدر بالقسم الذي تعرب عنه اللام ؛ لإبراز كمال العناية بشأنها . أي : واللّه ، لقد أنزلنا إليكم ، في هذه السورة الكريمة ، آيات مبينات لكل ما لكم حاجة إلى بيانه ؛ من الحدود وسائر الأحكام ، وإسناد البيان إليها : مجازى ، أو : آيات واضحات تصدقها الكتب القدسية والعقول السليمة ، على أن « مبيّنات » من بيّن ، بمعنى تبين ، كقولهم في المثل : « قد بيّن الصبح لذي عينين » أي : تبين . ومن قرأها بالبناء للمفعول ، فمعناه : قد بيّن اللّه فيها الأحكام والحدود .
وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ
أي : وأنزلنا مثلا من أمثال من قبلكم ، من القصص العجيبة ، والأمثال المضروبة لهم في الكتب السابقة ، والكلمات الجارية على ألسنة الأنبياء والحكماء ، فتنتظم قصة عائشة - رضي اللّه عنها - المحاكية لقصة يوسف عليه السّلام وقصة مريم ، وسائر الأمثال الواردة في السورة الكريمة ، انتظاما واضحا . وتخصيص الآيات البينات بالسوابق ، وحمل المثل على قصة عائشة المحاكية لقصة يوسف ومريم ، يأباه تعقيب الكلام بما سيأتي من التمثيلات .
وَ
أنزلنا
مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
يتعظون بها ، وينزجرون عما لا ينبغي من المحرمات والمكروهات وسائر ما يخل بمحاسن الآداب ، والمراد : ما وعظ به من الآيات والمثل ، مثل قوله :
وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ
« 1 » ، و
لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ . . *
« 2 » إلخ ،
يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ
« 3 » . وتخصيص المتقين ؛ لأنهم المنتفعون بها ، المغتنمون لآثارها ، المقتبسون لأنوارها ، ومدار العطف هو التّغاير العنواني المنزّل منزلة التغاير الذاتي . وقد خصّت الآيات بما بيّن الأحكام والحدود ، والموعظة بما وعظ به من
هامش
( 1 ) الآية : 2 من سورة النور . ( 2 ) الآية : 12 من سورة النور . ( 3 ) الآية : 17 من سورة النور .