فعله ، إلينا إيابهم ، وعلينا حسابهم ، فسنمتّعهم بحظوظهم ، والوقوف مع عوائدهم ، زمانا قليلا ، ثم نضطرهم إلى غم الحجاب وسوء الحساب . والعياذ باللّه .
ثم برهن على توحيد من يجب الاستسلام له ، فقال :
[ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 25 إلى 26 ]
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 25 ) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 26 )
يقول الحق جل جلاله :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
؛ لوضوح الدليل المانع من إسناد الخلق إلى غيره ، فيضطرون إلى الإقرار بذلك ،
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
على إلزامهم وإلجائهم إلى الاعتراف بما يوجب بطلان معتقدهم من شرك الأصنام ،
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
أن ذلك يلزمهم إذا نبهوا عليه ، ولم ينتبهوا ، فالإضراب عن كلام محذوف ، أي : فيجب عليهم أن يعبدوا اللّه وحده ، لمّا اعترفوا ، ولكنهم لا يعلمون ،
لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
ملكا وعبيدا ،
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
، أي : الغنى عن حمد الحامدين ، المستحق للحمد وإن لم يحمدوه .
الإشارة : قد اتفقت الملل على وجود الصانع . ثم وقفت العقول في مقام الحيرة والاستدلال ، وامتدت الأرواح والأسرار بأعناقها إلى معرفة الذات وشهودها ، فمن وجدت عارفا كاملا سلك بها الطريق ، حتى أوقعها على عين التحقيق ، فأشرفت على البحر الزاخر ، فغرقت في بحر الذات وتيار الصفات ، ثم رجعت إلى بر الشريعة لتدل غيرها على الوصول . وقل الحمد للّه أن وجدت من يعرفك باللّه ، وأكثر الخلق حائدون عن العلم باللّه .
ثم إن العلم باللّه وبصفاته وأسمائه لا نهاية له ، كما قال تعالى :
[ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 27 إلى 28 ]
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 27 ) ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 28 )
قلت : ( ولو أنما في الأرض ) : مذهب الكوفيين وجماعة : أن ما بعد « لو » : فاعل بفعل محذوف ، أي : ولو ثبت كون ما في الأرض . . إلخ . ومذهب سيبويه : أنه مبتدأ ، أي : ولو كون ما في الأرض واقع ، و ( البحر ) : مبتدأ ، و ( يمده ) : خبره ، أي : يمد ما ذكر من الأقلام . و ( من بعده سبعة أبحر ) : مبتدأ وخبر . وحذف التمييز ، أي : ( مدادا ) ،