تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
يقول الحق جل جلاله :
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ
أي : ينقد إليه بكليته ، وينقطع إليه بجميع شراشره ، بأن فوض أمره إليه ، وأقبل بكلّيّته عليه ،
وَهُوَ مُحْسِنٌ
في أعماله . قال القشيري : من أسلم نفسه ، وأخلص في اللّه قصده ، فقد استمسك بالعروة الوثقى . ه . فالاستسلام قد يكون بغير إخلاص ، فلذلك قال :
وَهُوَ مُحْسِنٌ
. قاله المحشى . وقلت : وفيه نظر ؛ فإن الحق تعالى إنما عبّر بالإسلام لا بالاستسلام ، وإنما المعنى : أسلم وجهه في الباطن ، وهو محسن بالعمل في الظاهر ،
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى
، أي : تعلق بأوثق ما يتعلق به ؛ فالعروة : ما يستمسك به . والوثقى : تأنيث الأوثق . مثّل حال المسلم المتوكل بحال من أراد أن يتدلّى من شاهق جبل ، فاحتاط لنفسه ، بأن استمسك بأوثق عروة من حبل متين ، مأمون انقطاعه . قال الهروي : أي : تمسك بالعقد الوثيق . وقال الأزهري : أصله : من عروة الكلأ ، وهو : ما له أصل ثابت في الأرض ، من الشيح وغيره من الشجر المستأصل في الأرض . ضربت مثلا لكل ما يعتصم به ، ويلجأ اليه . ه . وهو إشارة لكون التوحيد سببا وأصلا ، والآخذ به ، متصلا باللّه ، لا يخشى انقطاعا ولا هلاكا ، بخلاف الشرك ، فإنه على الضد ، كما يرشد إليه قوله تعالى :
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ . .
« 1 » الآية . وقوله تعالى :
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ . . .
الآية « 2 » .
وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ
أي : صائرة إليه ، فيجازى عليها .
وَمَنْ كَفَرَ
؛ ولم يسلم وجهه للّه ،
فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ
؛ فلا يهمك شأنه ، فسيقدم علينا ونجازيه ،
إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا
، أي : فنعاقبهم على أعمالهم ،
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
، أي : عالم بحقائق الصدور ، وما فيها ، فيجازى على حسبها ، فضلا عما في الظواهر ،
نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا
، أي : نمتعهم زمانا قليلا بدنياهم ،
ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ
؛ نلجئهم
إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ
شديد . شبّه إلزامهم التعذيب ، وإرهاقهم إليه ، باضطرار المضطر إلى الشيء . والغلظ : مستعار من الأجرام الغليظة ، والمراد : الشدة والثّقل على المعذّب . عائذا باللّه من موجبات غضبه . الإشارة : ومن ينقد بكليته إلى مولاه ، وغاب عن كل ما سواه ، وهو من أهل مقام الإحسان ، بأن أشرقت عليه شمس العيان ، فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها أبدا . ومن أمارات الانقياد : ترك التدبير والاختيار ، والرضا والتسليم لكل ما يبرز من عنصر الاقتدار ، وترك الشكوى بأحكام الواحد القهار .
وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ
؛ فيوصل من يشاء برحمته ، ويقطع من يشاء بعدله . ومن يجحد طريق الخصوص من أهل زمانه ؛ فلا يحزنك ، أيها العارف ،
هامش
( 1 ) الآية 26 من سورة إبراهيم . ( 2 ) الآية 31 من سورة الحج .