تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
قال القشيري : يرسل رياح الرجاء على قلوب العبّاد ، فتكنس قلوبهم من غبار الحسد وغثاء النفس ، ثم يرسل عليها أمطار التوفيق ، فتحملهم إلى بساط الجهد ، وتكرمهم بقوى النشاط . ويرسل رياح البسط على أرواح الأولياء فتطهرها من وحشة القبض ، وتنشر فيه لذاذات الوصال ، ويرسل رياح التوحيد فتهب على أسرار الأصفياء ، فتطهرها من آثار الأغيار ، وتبشرها بدوام الوصال . فذلك ارتياح به ، ولكن بعد اجتناح عنك . ه . أي : بعد ذهاب عنك وزوال . واللّه تعالى أعلم . ثم سلّى نبيه بمن قبله ، فقال :

[ سورة الروم ( 30 ) : آية 47 ]

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ( 47 ) قلت : ( حقا ) : خبر « كان » ، و ( نصر ) : اسمها . أو : ( حقا ) : خبر « كان » ، واسمها : ضمير الانتقام ، فيوقف عليه ، و ( علينا نصر ) : مبتدأ وخبر . يقول الحق جل جلاله :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
؛ بالمعجزات البينات الواضحات ، فكذبوهم ؛
فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا
بالتدمير ،
وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
أي : وكان نصر المؤمنين ، بإنجائهم من العذاب ، حقا واجبا علينا بإنجاز وعدنا ؛ إحسانا . أو : وكان الانتقام من المجرمين حقا لا شك فيه ، ثم علينا ، من جهة الإحسان ، نصر المؤمنين . قال البيضاوي : فيه إشعار بأن الانتقام لهم - أي : من عدوهم - إظهار لكرامتهم ، حيث جعلهم مستحقين على اللّه أن ينصرهم . وعنه صلى اللّه عليه وسلم : « ما من امرئ مسلم يردّ عن عرض أخيه ، إلا كان حقا على اللّه أن يردّ عنه نار جهنم » ، ثم تلا الآية « 1 » . أي :
وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا . .
إلخ . الإشارة : هكذا جرت سنّة اللّه تعالى ، مع خواصه ، أن ينتقم ممن آذاهم ، ولو بعد حين . وقد يكون الانتقام باطنا ؛ بنقص الإيمان وقساوة القلب ، وهو أقبح . قال القشيري : فانتقمنا من الذين أجرموا ، وأخذناهم من حيث لم يحتسبوا ، وشوّشنا عليهم ما أمّلوا ، ونقصنا عليهم ما استطابوا وتنعّموا .
وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
، وطئهم
هامش
( 1 ) أخرجه البغوي في تفسيره ( 6 / 276 ) وأخرجه بنحوه أحمد في المسند ( 6 / 450 ) ، والترمذي في ( البر والصلة ، باب ما جاء في الذّب عن عرض المسلم ، 4 / 288 ح 1931 ) ، وحسنه من حديث أبي الدرداء رضي اللّه عنه . وأخرجه الطبراني في الكبير ( 24 / 175 - 176 ، ح 442 ) من حديث أسماء بنت يزيد الأنصارية . وانظر الفتح السماوي ( 2 / 905 - 908 ) .