تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
يقول الحق جل جلاله :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ
أي : قوّمه ووجّهه
لِلدِّينِ الْقَيِّمِ
؛ البليغ في الاستقامة ، الذي لا يتأتى فيه عوج ولا خلل . وفيه ، من البديع ، جناس الاشتقاق . والخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأمته تبع ، أو : لكل سامع .
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ
؛ وهو البعث ،
لا مَرَدَّ لَهُ
أي : لا يقدر أحد على رده ، و
مِنَ اللَّهِ
: متعلّق بيأتي ، أي : من قبل أن يأتي من اللّه يوم لا يردّه أحد ، أو بمرد ؛ لأنه مصدر ، أي : لا مرد له من جهة اللّه ، بعد أن يجئ ؛ لتعلق الإرادة به حينئذ .
يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ
؛ يتصدّعون ، فأدغم التاء في الصاد . وفي الصحاح : الصدع : الشق ، يقال صدعته فانصدع ، أي : انشق . وتصدّع القوم : تفرقوا . ه . أي : يتفرقون ؛ فريق في الجنة وفريق في السعير . ثم أشار إلى غناه عنهم ، فقال :
مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ
؛ وبال كفره ، لا يحمله عنه غيره .
وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ
أي : يسوون لأنفسهم في قبورهم ، أو : في الجنة ما يسوى لنفسه الذي يمهد فراشه ويوطئه ؛ لئلا يصيبه في مضجعه ما ينغص عليه مضجعه . وتقديم الظرف في الموضعين ؛ للاختصاص ، أي : فلا يجاوز عمل أحد لغيره . ثم علل ما أمر به من التأهب ، فقال :
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
، أظهر في موضع الإضمار ، أي : ليجزيهم ؛ ليدل على أنه لا ينال هذا الجزاء الجميل إلا المؤمن ؛ لصلاح عمله . أثابه ذلك
مِنْ فَضْلِهِ
أي : بمحض تفضله ؛ إذ لا يجب عليه شئ ،
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ
، بل يبغضهم ويمقتهم ، وفيه إيماء إلى أنه يحب المؤمنين ، وهو كذلك ، ولا سيما المتوجهين . الإشارة : أمر الحق تعالى بالتوجه إليه ، والتمسك بالطريق التي توصل إليه ، قبل قيام الساعة ؛ لأن هذه الدار هي مزرعة لتك الدار ، فمن سار إليه هنا وعرفه ؛ عرفه في الآخرة ، ومن قعد هنا مع هواه ، حتى مات جاهلا به ؛ بعث كذلك ، كما هو معلوم . ولا يمكن التوجه والظفر بالطريق الموصلة إليه تعالى إلا بشيخ كامل ، سلك الطريق وعرفها . ومن رام الوصول بنفسه ، أو بعلمه ، أو بعقله ؛ انقطع لا محالة . قال القشيري :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ
: أخلص قصدك ، وصدق عزمك ، بالموافقة للدين القيّم ، بالاتباع دون الاستبداد بالأمر على وجه الابتداع . ومن لم يتأدب [ بمن ] « 1 » هو إمام وقته ، ولم يتلقف الأذكار ممن هو لسان وقته ؛ كان خسرانه أتمّ من ربحه ، ونقصانه أعمّ من نفعه . ه .
هامش
( 1 ) في الأصول الخطية [ ممن ] .