تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
ثم شرع في بيان شأنهما ، فقال :

[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 4 إلى 6 ]

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ( 4 ) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ( 5 ) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ ( 6 ) يقول الحق جل جلاله :
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ
، وهو استئناف بيانى ، وكأن قائلا قال : وكيف كان نبأهما ؟ فقال : إنه علا في الأرض ، أي : تجبّر وطغى في أرض مصر ، وجاوز الحد في الظلم والعدوان . أو : علا عن عبادة ربه ، وافتخر بنفسه ، ونسي العبودية . وفي التعبير بالأرض تبكيت عليه ، أي : علا في محل التذلل والانخفاض ،
وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً
أي : فرقا وأصنافا في الخدمة والتسخير ، كلّ قوم من بني إسرائيل في شغل مفرد . وقيل : ملك القبط واستعبد بني إسرائيل . أو : فرقا مختلفة ، يكرم طائفة ويهين أخرى ، فأكرم القبط ، وأهان بني إسرائيل .
يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ
وهم بنو إسرائيل ، وهو يرشد إلى كون المراد بقوله :
وَجَعَلَ أَهْلَها
لا يخصّ ببني إسرائيل .
يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ
الذكور ،
وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ
أي : البنات ، يتركهم لخدمته . وسبب ذبحه للأبناء أن كاهنا قال له : يولد مولود في بني إسرائيل ، يذهب ملكك على يده ، وفيه دليل على حمق فرعون ، فإنه إن صدق الكاهن لم ينفعه القتل ؛ إذ لا ينفع حذر من قدر ، وإن كذب فلا معنى للقتل . وجملة :
يَسْتَضْعِفُ
: حال من الضمير في
جَعَلَ
، أو صفة لشيع ، أو استئناف .
إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
، أي : الراسخين في الإفساد ، ولذلك اجترأ على تلك العزيمة العظيمة ، من قتل المعصومين من أولاد الأنبياء - عليهم السلام .
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ
أي : نتفضل
عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ
على الوجه المذكور بالقتل والتسخير . وهذه الجملة معطوفة على :
إِنَّ فِرْعَوْنَ
، أو : حال من
يَسْتَضْعِفُ
، أي : يستضعفهم فرعون ونحن نريد أن نمنّ عليهم ، وإرادة اللّه تعالى كائنة لا محالة ، فجعلت كالمقارنة لاستضعافهم ،
وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً
أي : قادة يقتدى بهم في الخير ، أو : دعاة إلى الخير ، أو : ولاة وملوكا ،
وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ
أي : يرثون فرعون وقومه ، ملكهم وكل ما كان لهم .
وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ
؛ أرض مصر والشام ، يتصرفون فيها كيف شاءوا ، وتكون تحت ملكهم وسلطانهم . وأصل التمكن : أن يجعل له مكانا يقعد عليه ، ثم استعير للتسليط والتصرف في الأمر .
وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 230 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان