تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ
بالهداية والتوفيق لأسباب التطهير والعصمة والحفظ ،
ما زَكى مِنْكُمْ
أي : ما طهر من أدناس العيوب ولوث الفواحش
مِنْ أَحَدٍ أَبَداً
؛ إلى ما لا نهاية له ، وإذا كان التطهير والعصمة بيد اللّه فلا تروا لأنفسكم فضلا عمن لم يعصمه اللّه ؛ فإنه مقهور تحت مجارى الأقدار ،
وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ
؛ يطهر من يشاء من عباده ؛ بإفاضة آثار فضله ورحمته عليه ؛ بالحفظ والرعاية ، أو بالتوبة بعد الجناية ،
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
؛ سميع لأقوالكم وإن خفيت ، ومن جملتها : الحلف على ترك فعل الخير ، عليم بنياتكم وإخلاصكم . وهذا الكلام مقدمة لقوله :
وَلا يَأْتَلِ
، من قولك : أليت : إذا حلفت ، أي : لا يحلف
أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ
أي : في الدين ، وكفى به دليلا على فضل الصّديق رضي اللّه عنه ،
وَالسَّعَةِ
. أي : والسعة في المال
أَنْ يُؤْتُوا
أي : لا يحلف على ألا يعطوا
أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
؛ كمسطح ، فإنه كان ابن خالته ، وكان من فقراء المهاجرين . وهذه الأوصاف هي لموصوف واحد ، جئ بها ، بطريق العطف ؛ تنبيها على أن كلّا منها علة مستقلة لاستحقاقه الإيتاء . وحذف المفعول الثاني ؛ لظهوره ، أي : على ألّا يؤتوهم شيئا ،
وَلْيَعْفُوا
عما فرط منهم
وَلْيَصْفَحُوا
بالإغضاء عنه ، فالعفو : التستر ، والصفح : الإعراض ، أي : وليتجاوزوا عن الجفاء ، وليعرضوا عن العقوبة .
أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ
؟ فلتفعلوا ما تحبون أن يفعل بكم وبهم ، مع كثرة خطاياهم ،
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
؛ مبالغ في المغفرة والرحمة ، مع كثرة ذنوب العباد ، فتأدبوا بآداب اللّه ، واعفوا ، وارحموا . ولما قرأها النبي صلى اللّه عليه وسلم على أبى بكر رضي اللّه عنه قال : بل أحب أن يغفر اللّه لي . ورد إلى مسطح نفقته ، وقال : واللّه لا أنزعها منه أبدا « 1 » . وباللّه التوفيق . الإشارة : كل ما يصد عن مكارم الأخلاق ؛ كالحلم ، والصبر ، والعفو ، والكرم ، والإغضاء ، وغير ذلك من الكمالات ، فهو من خطوات الشيطان ، تجب مجانبته ، فإن الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر ؛ كالغضب ، والانتصار ، والحمية ، والحقد ، والشح ، والبخل ، وغير ذلك من المساوئ ، ولا طريق إلى الدواء من تلك المساوئ إلا بالرجوع إلى اللّه والاضطرار له ، والتعلق بأذيال فضله وكرمه .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في ( تفسير سورة النور ، بابلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراًح 4750 ) وفي مواضع أخرى . وأخرجه مسلم في ( التوبة ، باب في حديث الإفك 4 / 929 - 2136 ، ح 2770 ) ، كلاهما في سياق حديث الإفك الطويل .