تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ
الدالة على الشرائع ومحاسن الأدب ، دلالة واضحة ؛ لتتعظوا وتتأدبوا ، أي : ينزلها كذلك ظاهرة مبينة ،
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
؛ عليم بأحوال مخلوقاته ، حكيم في جميع تدابيره وأفعاله ، فأنّى يصحّ ما قيل في حرمة من اصطفاه لرسالته ، وبعثه إلى كافة الخلق ، ليرشدهم إلى الحق ، ويزكيهم ويطهرهم تطهيرا ؟ واللّه تعالى أعلم . الإشارة : الكلام في الأولياء سم قاتل ؛ لأن اللّه ينتصر لأوليائه لا محالة ، فمنهم من ينتصر لهم في الدنيا بإنزال البلايا والمحن في بدنه أو ولده أو ماله ، ومنهم من يؤخر عقوبته إلى الآخرة ، وهو أقبح . ومنهم من تكون عقوبته دينية قلبية ؛ كقساوة القلب وجمود العين ، وتعويق عن الطاعة ، ووقوع في ذنب ، أو فترة في همة ، أو سلب لذاذة خدمة أو معرفة ، وهذه أقبح العقوبة ، والعياذ باللّه . ثم أوعد من كان يشيع حديث الإفك ، فقال :

[ سورة النور ( 24 ) : الآيات 19 إلى 20 ]

إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 19 ) وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 20 ) يقول الحق جل جلاله :
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ
؛ يريدون
أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ
أي : تنتشر الخصلة المفرطة في القبح ، وهو الرمي بالزنا ، أو نفس الزنا ، والمراد بشيوعها : شيوع خبرها ، أي : يحبون شيوعها ويتصدون مع ذلك لإشاعتها . وإنما لم يصرح به ؛ اكتفاء بذكر المحبة ؛ فإنها مستلزمة له لا محالة ، وهم : عبد اللّه بن أبىّ وأصحابه ومن تبعهم .
لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا
؛ بالحدّ والفضيحة والتكذيب . ولقد ضرب صلى اللّه عليه وسلم الحدّ كل من رمى عائشة . وتقدم الخلاف في ابن أبي ، فقيل : حدّه ، وقيل : تركه ؛ استئلافا له .
وَ
لهم العذاب في
الْآخِرَةِ
بالنار وغيرها ، إن لم يتوبوا .
وَاللَّهُ يَعْلَمُ
جميع الأمور ، التي من جملتها : المحبة المذكورة ،
وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
ما يعلمه تعالى ، بل إنما يعلمون ما ظهر من الأقوال والأفعال المحسوسة ، فابنوا أمركم على ما تعلمونه ، وعاقبوا في الدنيا على ما تشاهدونه من الأحوال الظاهرة ، واللّه يتولى السرائر ، فيعاقب في الآخرة على ما تكنه الصدور .