تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
ثم ذكر معجزة اليد ، فقال :

[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 12 إلى 14 ]

وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 12 ) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 13 ) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( 14 ) يقول الحق جل جلاله :
وَأَدْخِلْ يَدَكَ
يا موسى
فِي جَيْبِكَ
؛ في جيب قميصك . والجيب : الفتح في الثوب لرأس الإنسان . قال الثعلبي : إنما أمره بذلك ؛ لأنه كان عليه مدرعة صوف ، لا كم لها .
تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ
؛ من غير آفة ، كبرص ونحوه ،
فِي تِسْعِ آياتٍ
أي : هاتان الآيتان في جملة تسع آيات ، وهي الفلق ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم ، والطمس ، والجدب في بواديهم ، والنقصان في مزارعهم . ومن عدّ اليد والعصا من التسع عدّ الأخيرين واحدا ، ولم يعد الفلق ؛ لأنه لم يبعث به إلى فرعون . وقوله :
إِلى فِرْعَوْنَ
متعلق بمحذوف ، أي : مرسلا ، أو : ذاهبا إلى فرعون
وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ
؛ خارجين عن أمر اللّه ، كافرين به .
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا
؛ معجزاتنا ، وظهرت على يد موسى ، حال كونها
مُبْصِرَةً
؛ بيّنة واضحة ، وهي اسم فاعل ، أطلق على المفعول ، إشعارا بأنها لفرط ظهورها كأنها تبصر نفسها ؛ مبالغة في وضوحها ، وإلا فهي مبصرة لمن ينظر ويتفكر فيها . أو : ذات تبصر ؛ لأنها تهدى من يتبصر بها . فلما جاءتهم
قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ
واضح سحريته .
وَجَحَدُوا بِها
أي : كذّبوا بها
وَ
قد
اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ
أي : علمتها علما يقينا ، فالاستيقان : أبلغ من الإيقان . يعنى : أنهم جحدوا بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم .
ظُلْماً
: حال من ضمير ( جحدوا ) أي : ظالمين في ذلك ، ولا ظلم أفحش ممن تيقن أنها آيات من عند اللّه ، وسماها سحرا بيّنا ،
وَعُلُوًّا
؛ تكبرا وترفعا عن الإيمان بموسى عليه السّلام ، وهو أيضا حال ، أو : علة ،
فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
وهو الإغراق في الدنيا ، والإحراق في الآخرة . نسأل اللّه العافية . الإشارة : وأدخل يد فكرتك في جيب قلبك ، تخرج بيضاء شعشعانية ، يستولى شعاعها على وجود بشريتك ، فتنخنس البشرية تحت أنوار المعاني ، ثم يستولى على الوجود بأسره ، فيصير كله نورا ملكوتيا جبروتيا ، متصلا