تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
أو قد ، أو السين ، أو سوف ؛ لأن الدعاء يخالف غيره في كثير من الأحكام ، أي : أنه ، أي : الأمر والشأن
بُورِكَ
أي : قدّس ، أو : جعل فيه البركة والخير ،
مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها
أي : من في مكان النار ، وهم الملائكة ،
وَمَنْ حَوْلَها
أي : موسى عليه السّلام ، بإنزال الوحي عليه ، الذي فيه خير الدنيا والآخرة . وقال ابن عباس والحسن : ( بورك من في النار أي : قدّس من في النار ، وهو اللّه تعالى ) « 1 » أي : نوره وسره ، الذي قامت به الأشياء ، من باب قيام المعاني بالأوانى ، أو : من قيام أسرار الذات بالأشياء ، بمعنى أنه نادى موسى منها وسمع كلامه من جهتها ، ثم نزّه - سبحانه - ذاته المقدسة عن الحلول والاتحاد ، فقال :
وَسُبْحانَ اللَّهِ
أي : تنزيها له عن الحلول في شئ ، وهو
رَبِّ الْعالَمِينَ
. ثم فسر نداءه ، فقال :
يا مُوسى إِنَّهُ
أي : الأمر والشأن
أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
أو : إنه ، أي : مكلمك ، اللّه العزيز الحكيم ، وهو تمهيد لما أراد أن يظهر على يديه من المعجزات .
وَأَلْقِ عَصاكَ
لتعلم معجزتها ، فتأنس بها ، وهو عطف على ( بورك ) أي : نودي أن بورك وأن ألق عصاك . والمعنى : قيل له : بورك من في النار ، وقيل له : ألق عصاك ،
فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ
؛ تتحرك يمينا وشمالا ،
كَأَنَّها جَانٌّ
؛ حية صغيرة
وَلَّى
موسى
مُدْبِراً
أي : أدبر عنها ، وجعلها تلى ظهره ، خوفا من وثوب الحية عليه ،
وَلَمْ يُعَقِّبْ
؛ لم يرجع على عقبيه ، من : عقّب المقاتل : إذا كرّ بعد الفر . والخوف من الشيء المكروه أمر طبيعي ، لا يتخلف ، وليس في طوق البشر . قال له تعالى :
يا مُوسى لا تَخَفْ
من غيرى ، ثقة بي ، أو : لا تخف مطلقا
إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
أي : لا يخاف المرسلون عند خطابي إياهم ، فإنهم مستغرقون في شهود الحق ، لا يخطر ببالهم خوف ولا غيره . وأما في غير أحوال الوحي ؛ فهم أشد الناس خوفا منه سبحانه ، أو : لا يخافون من غيرى ، لأنهم لدىّ في حفظي ورعايتى .
إِلَّا مَنْ ظَلَمَ
أي : لكن من ظلم من غيرهم ؛ لأن الأنبياء لا يظلمون قط ، فهو استثناء منقطع ، استدرك به ما عسى يختلج في العقل ، من نفى الخوف عن كلهم ، مع أن منهم من فرطت منه صغيرة مما يجوز صدوره عن الأنبياء - عليهم السلام - كما فرط من آدم ، وموسى ، وداود ، وسليمان - عليهم السلام - فحسنات الأبرار سيئات المقربين . وقد قصد به التعريض بما وقع من موسى - عليه السّلام - من وكزه القبطىّ . وسماها ظلما ، كقوله عليه السّلام في سورة القصص :
رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ
« 2 » .
هامش
( 1 ) أخرجه الطبري في تفسيره ( 19 / 133 ) . ( 2 ) من الآية 16 من سورة القصص .