تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
قلوبهم وقررناه فيها ، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه ، من التكذيب والإصرار عليه ، وهو حجتنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد ؛ خيرها وشرها . وقوله :
لا يُؤْمِنُونَ
: توضيح وتقرير لما قبله . ويجوز أن يكون حالا ، أي : سلكناه فيها غير مؤمنين به ، أو : مثل ذلك السلك البديع سلكناه ، أي : أدخلنا القرآن في قلوب المجرمين ، ففهموا معانيه ، وعرفوا فصاحته وبلاغته ، وأنه خارج عن القوة البشرية ، من حيث النّظم المعجز والأخبار الغيبية . وقد انضم إليه اتفاق علماء أهل الكتاب على اتفاقه لما في أيديهم من الكتب السماوية . ومع ذلك
لا يُؤْمِنُونَ بِهِ
، ولا يتأثرون بأمثال تلك الأمور الداعية إلى الإيمان ، بل يستمرون على ما هم عليه ،
حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
الملجئ إلى الإيمان ، حين لا ينفعهم الإيمان ،
فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً
؛ فجأة في الدنيا والآخرة
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
بإتيانه ،
فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ
؛ مؤخّرون ساعة . قالوه تحسّرا على ما فات من الإيمان ، وتمنيا للإمهال ؛ لتلافى ما فرضوه . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : إذا تطهر القلب من الأكدار والأغيار ، وملئ بالمعارف والأسرار ، كان مهبطا لوحى الإلهام ووحي الإعلام ، ومحلا لتنزل الملائكة الكرام ، إذ كل ما أعطى للرسول كان لوارثه الحقيق منه شرب ونصيب ؛ ليكون من الواعظين بلسان عربى مبين ، يفصح عن جواهر الحقائق ، ويواقيت العلوم ، وما ينطق به من العلوم يكون موافقا لما في زبر الأولين ، وإن كان أميا ؛ لأن علوم الأذواق لا تختلف . أو لم يكن لهم آية على ولايته أن يعلمه علماء أهل فنه من المحققين . وقال الورتجبي على هذه الآية : أخبر اللّه سبحانه أن قلب محمد صلى اللّه عليه وسلّم محل نزول كلامه الأزلي ؛ لأنه مصفى من جميع الحدثان ، بتجلى مشاهدة الرحمن ، فكان قلبه - عليه الصلاة والسلام - صدف لالئ خطاب الحق ، يسبح في بحار الكرم ، فيتلقف كلام الحق من الحق بلا واسطة ، وذلك سر عجيب وعلم غريب ؛ لأنه يجمع كلام الحق وما اتصل به ، وكلامه لم ينفصل عنه ، وكيف تفارق الصفات الذات ، لكن أبقى في قلبه ظاهره وعلمه وسره ، فجبريل - عليه السّلام - في البين : واسطة لجهة الحرمة ، وذكر ذلك بقوله :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ . . .
؛ لأن القلب معدن الإلهام والوحي والكلام والرؤية والعرفان ، به يحفظ الكلام . وفائدة ذلك : الإعلام بسر وجود الإنسان ، وأنه ليس شئ يليق بالخطاب ونزول الأنباء إلا قلبه ، وكل قلب مسدود بعوارض البشرية لا يسمع خطاب الحق ، ولا يرى جمال الحق . قال أبو بكر بن طاهر : ما أنزله على جبريل جعله محلا للإنذار ، لا التحقيق ، والحقيقة هو ما تلقفه من الحق ، فلم يخبر عنه ، ولم يشرف عليه خلق من الجن والإنس والملائكة ؛ لأنه ما أطاق ذلك أحد سواه . وما أنزله جبريل جعله للخلق ، فقال :
لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
بما نزل به جبريل على قلبك المتحقق ،