تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 535

مساهمون:

ص٥٣٥
وقوله تعالى :
لَكُمْ فِيها مَنافِعُ
أي : لكم في هذه التجليات ، إن عظمتموها وعرفتم اللّه فيها ، منافع ، ترعون من أنوارها وتشربون من خمرة أسرارها ، فتزدادوا معرفة وتكميلا ، إلى أجل مسمى ، وهو مقام التمكين ، فحينئذ تواجهه أنوار المواجهة ، فتكون الأنوار له ، لا هو للأنوار ، لأنه للّه لا لشئ دونه ،
قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
« 1 » . ثم محل هذه الأنوار إلى بيت الحضرة ، فحيئنذ يستغنى باللّه عن كل ما سواه . وقوله تعالى :
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً
أي : لكل عصر جعلنا تربية مخصوصة ، والوصول واحد ؛ ولذلك قال : ( فإلهكم إله واحد ) . وقال القشيري : الشرائع مختلفة فيما كان من المعاملات ، متفقة فيما كان من جملة المعارف . ثم قال : ذكّرهم اللّه بأنه هو الذي أمرهم ويثيبهم ، ( فله أسلموا ) : استسلموا لحكمه ، من غير استكراه من داخل القلب ولا من اللفظ . ه . وقوله تعالى :
( وَالْبُدْنَ . . . )
الآية . قال الورتجبي : فيه إشارة إلى ذبح النفس بالمجاهدات ، وزمها بالرياضات عن المخالفات ، وفناء الوجود للمشاهدات ، حتى لا يبقى للعارف في طريقة حظ من حظوظه ، ويبقى للّه مفردا من جميع الخلائق . ه . وفي قوله تعالى :
فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ
، إشارة إلى أن النفس لا تموت إلا بصحبة من ماتت نفسه ، فلا تموت النفس مع صحبة أهل النفوس الحية أبدا . فإذا ماتت وسقطت جنوبها ، وظفرتم بها ؛ فكلوا من أنوار أسرارها وعلومها ؛ لأن النفس ، إذا ماتت ، حييت الروح ، وفاضت عليها العلوم اللدنية ، فكلوا منها ، وأطعموا السائل والمتعرض لنفحاتكم . وقوله تعالى :
لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها . .
الآية ، قال الورتجبي : الإشارة فيه إلى جميع الأعمال الصالحة من العرش إلى الثرى ، لا يلحق الحق بحق المراد منه ، ولكن يصل إليه قلب جريح من محبته ، ذبح بسيف شوقه ، مطروح على باب عشقه . قال سهل في قوله :
( وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى )
: هو التبري والإخلاص . ه . قال القشيري : لا عبرة بإظهار الأفعال ، سواء كانت بدنية أو مالية صرفا ، أو مما يتعلق بالوجهين ، ولكن العبرة بقرائنها من الإخلاص ، فإذا انضاف إلى الجوارح إخلاص القصود ، وتجرّدت عن ملاحظة أصحابها الأغيار ، صلحت للقبول ، وينال صاحبها القرب ، بشهود الحق بنعت التفرد . ثم قال :
( لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ )
وأرشدكم إلى القيام بحقّ العبودية على قضية الشرع ،
( وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ )
، الإحسان ، كما في الخبر : « أن تعبد اللّه كأنك تراه » . وأمارة صحته : سقوط تعب القلب عن صاحبه ، فلا يستثقل شيئا ولا يتبرم بشئ . ه . قلت : خواطر الاستثقال والتبرم لا تضر ؛ لأنه طبع بشرى ، وإنما يضر ما سكن في القلب .
هامش
( 1 ) من الآية 91 من سورة الأنعام .