تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 4 ]

وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 4 ) يقول الحق جل جلاله :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ
قبلك
إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ
، وأنت بعثناك بلسان قومك . وإنما قال : بلسان قومه ، ولم يقل بلسان أمته ؛ لأن الأمة قد تكون أوسع من قومه ، كما في حق نبينا - عليه الصلاة والسلام - فقد بعث إلى العرب والعجم ، والجن والإنس ، فقومه الذين يفهمون عنه : يترجمون إلى من لا يفهم ، فتقوم الحجة عليهم . وكذلك إعجاز القرآن يدركه أهل الفصاحة والبلاغة ، فإذا وقع العجز عن معارضته منهم قامت الحجة على غيرهم ، كما قامت الحجة في معجزة موسى عليه السّلام بعجز السحرة ، وفي معجزة عيسى بعجز الأطباء . ثم بيّن الحكمة ، في كون الداعي لا يكون إلا بلسان قومه ، بقوله :
لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
ما أمروا به ؛ فيفهمونه عنه بسرعة ، ثم ينقلونه ويترجمونه لغيرهم ، فتقوم الحجة عليهم ولذلك أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بإنذار عشيرته أولا ، فإذا فهموا عنه بلّغوا إلى غيرهم . قال البيضاوي : ولو نزل على من بعث إلى أمم مختلفة كتب على ألسنتهم استقل ذلك بنوع من الإعجاز ، لكن أدى إلى اختلاف الكلمة وإضاعة فضل الاجتهاد في تعلم الألفاظ ومعانيها ، والعلوم المتشعبة منها ، وما في إتعاب القرائح وكد النفس من القرب المقتضية لجزيل الثواب . ه . فالرسل - عليهم الصلاة والسلام - إنما عليهم البيان بلسانهم ، والهداية بيد ربهم ، ولذلك قال تعالى :
فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ
إضلاله ، فيخذله عن الإيمان ،
وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
بالتوفيق له ،
وَهُوَ الْعَزِيزُ
الغالب على أمره ، فلا يغلب على مشيئته ،
الْحَكِيمُ
في صنعه ، فلا يضل ولا يهدى إلا لحكمة أرادها . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : ما بعث اللّه وليا داعيا إلا بلسان قومه ، وقد يخرق له العادة ، فيطلعه على جميع اللغات ، كما قال المرسى رضي اللّه عنه : من بلغ هذا المقام لا يخفى عليه شئ . وذلك من باب الكرامة ؛ كما كان صلى اللّه عليه وسلم يخاطب كل قوم بلغتهم ؛ معجزة له صلى اللّه عليه وسلم ؛ فقد اتسع علمه - عليه الصلاة والسلام - فأحاط بحقائق الأشياء وأسمائها ومفهوماتها ، وأصول اللغة وفروعها ، فعلم ما علمه سيدنا آدم عليه السّلام ، أو أكثر ، وإلى ذلك أشار القطب ابن مشيش في تصليته المشهورة بقوله : « وتنزلت علوم آدم فأعجز الخلائق » . وقال البوصيري في همزيته :
لك ذات العلوم من عالم الغي * ب ومنها لآدم الأسماء
ولمّا كان علاج موسى عليه السّلام في إخراج أمته من الظلمات إلى النور ، قريبا من علاج نبينا - عليه الصلاة والسلام - ذكره بإثره ، كما فعل في سورة طه ، فقال :