تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
ثم قال : فأخذت تلك القبضة
فَنَبَذْتُها
في فم تلك الصورة المذابة من الحلي ، فصارت تخور ،
وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي
؛ أي : زينت . والإشارة : نعت لمصدر محذوف ، أي : سوّلت لي نفسي تسويلا كائنا مثل ذلك التسويل البديع . وحاصل جوابه : أن ما فعله إنما صدر منه بمحض اتباع هوى النفس الأمارة وإغوائها ، لا لشئ آخر من البرهان العقلي أو الإلهام الإلهى ، فعند ذلك
قالَ
له موسى عليه السّلام :
فَاذْهَبْ
أي : اخرج من بين الناس ،
فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ
أي : في مدة حياتك ،
أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ
والمعنى : أن لك في مدة حياتك أن تفارقهم مفارقة كلية ، لا بحسب الاختيار ، بل بحسب الاضطرار الملجئ إليه ، وذلك أنه تعالى رماه بداء عقام « 1 » ، لا يكاد يمسّه أحد ، أو يمسّ أحدا ، إلا حمّ من ساعته حمى شديدة ، فتحامى الناس وتحاموه ، وكان يصيح بأقصى طوقه : لا مساس . وقيل : إن موسى عليه السّلام نفاه من قومه ، وأمر بني إسرائيل ألا يخالطوه ولا يقربوه . قال الحسن : ( جعل الله عقوبة السامري ألا يماس الناس ولا يماسوه . جعل ذلك له ولمن كان منه إلى يوم القيامة ) . فكأن الله تعالى شدّد عليه المحنة ، وجعل ذلك عقوبة له في الدنيا . ويقال : ابتلى بالوسواس ، وأصل الوسواس من ذلك الوقت . وقال قتادة : بقاياه اليوم يقولون ذلك : لا مساس . ويقال : إن موسى همّ بقتل السامري ، فقال الله تعالى له : لا تقتله ؛ فإنه سخى . ولعل الحكمة في عقابه بهذه العقوبة : أن مخالطته للناس نشأت من هذه الفتنة ، فعوقب بالطرد والبعد عنهم . ثم قال له الله :
وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً
أي : في الآخرة ،
لَنْ تُخْلَفَهُ
أي : لن يخلفك الله ذلك الوعد ، بل ينجزه لك البتة ، بعد ما عاقبك في الدنيا . أو لن تجاوزه ولن تخطئه ، بل لا بد لك من ملاقاته .
وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ
العجل ،
الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً
؛ مقيما على عبادته ،
لَنُحَرِّقَنَّهُ
أي : والله لنحرقنه بالنار ، وقيل بالمبرد ، مبالغة في الحرق ، ويعضده قراءة :
« لَنُحَرِّقَنَّهُ »
،
ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ
أي : لنذرينه بالريح
فِي الْيَمِّ
؛ في البحر ، رمادا ، أو مبرودا كأنه هباء ،
نَسْفاً
بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر ، وقد فعل عليه السّلام ذلك كله حينئذ ، كما يشهد بذلك الأمر بالنظر ، وإنما لم يصرح به ؛ تنبيها على كمال ظهوره ، واستحالة الخلف في وعده المؤكد باليمين . ثم نبّه على الحق فقال :
إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ
أي : إنما معبودكم المستحق للعبادة هو الله . والجملة : استئنافية مسوقة لتحقيق الحق ، إثر إبطال الباطل ، بتلوين الخطاب وتوجيهه إلى الكل ، ثم وصفه بقوله :
الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
وحده ، من غير أن يشاركه في الألوهية شئ من الأشياء ،
وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً
أي : وسع علمه كل ما من شأنه أن يعلم . وجملة :
( وَسِعَ )
: بدل من الصلة ، أي : إنما إلهكم : الذي وسع كل شئ علما لا غيره كائنا
هامش
( 1 ) العقام : الداء الذي لا يبرأ منه .