تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
تتبعني فيما أمرتك ، وتعمل بوصيتي فتقاتلهم بمن معك ؟ . قال ابن عطية : والتحقيق : أن « لا » غير مزيدة ، ويقدر فعل ، أي : ما منعك مجانبتهم وسوّل لك ألا تتبعن . ه . قلت : وفيه نظر ؛ لأن مجانبة هارون عليه السّلام للقوم كانت حاصلة ، وإنما أنكر عليه عدم مقاتلتهم ، أو عدم لحوقه ليخبره ، فتأمله . وقيل : المعنى : ما حملك على ألا تتبعن ، فإن المنع من الشيء مستلزم للحمل على مقابله ، وقيل : ما منعك أن تلحقني وتخبرني بضلالهم ، فتكون مفارقتك زجرا لهم ، وهذا أظهر .
أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي
بالصلابة في الدين والمحاماة عليه ، فإن قوله :
( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي )
متضمن للأمر بهما حتما ، فإن الخلافة لا تتحقق إلا بمباشرة الخليفة ما كان يباشره المستخلف لو كان حاضرا ، والهمزة للإنكار ، والفاء للعطف ، أي : أخالفتني فعصيت أمرى .
قالَ يَا بْنَ أُمَّ
، خص الأم بالذكر ؛ استعطافا لحقها ، وترقيقا لقلبه ، لا لما قيل من أنه كان أخاه لأمه ، فإن الجمهور على أنهما شقيقان . قال له :
لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي
أي : بشعر رأسي . وقد كان عليه السّلام أخذ بهما كما تقدم ، من شدة غيظه وفرط غضبه لله ، وكان حديدا متصلبا في كل شئ ، فلم يتمالك حين رآهم يعبدون العجل ، حتى فعل ما فعل . ثم اعتذر له أخوه بقوله :
إِنِّي خَشِيتُ
إن قاتلت بعضهم ببعض وتفرقوا ،
أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ
برأيك ، مع كونهم أبناء رجل واحد ، كما ينبئ عنه ذكرهم بذلك العنوان دون القوم ونحوه . وأراد عليه السّلام بالتفريق ما يستتبعه القتال من التفريق : الذي لا يرى بعده اجتماع ، فخشيت أن تقول : فرقت بينهم ،
وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
أي : قوله :
( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ . . )
إلخ ، يعنى : إني رأيت أن الأصلح هو في حفظ الدماء والمداراة معهم ، إلى أن ترجع إليهم ، فلذلك استأنيتك ؛ لتكون أنت المتدارك للأمر بما رأيت ، لا سيما وقد كانوا في غاية القوة ، ونحن على القلة والضعف ، كما يعرب عنه قوله :
إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي
« 1 » . والله تعالى أعلم . الإشارة : كل من اعتمد على غير الله ، أو مال بمحبته إلى ما سوى الله ، فهو في حقه عجل بني إسرائيل ، فيقال له : كيف تركن إليه وهو لا يملك لك ضرا ولا نفعا ، وإنما فتنت به عن السير إلى ربك ، وانطمست به حضرة قدسك ، فربك الرحمن الكريم المنان ، فاتبع ما أمرك به من الطاعات ، وكن عبدا له في جميع الحالات ، تكن خالصا لله ، حرا مما سواه . وبالله التوفيق .
هامش
( 1 ) من الآية 150 من سورة الأعراف .