تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 26

مساهمون:

ص٢٦
وقال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه عنه : « كيف يعرف بالمعارف من به عرفت المعارف ؟ ! أم كيف يعرف بشئ من سبق وجوده كلّ شئ ؟ أي : وظهر بكل شئ » . وفي ذلك يقول الشاعر :
عجبت لمن يبغى عليك شهادة * وأنت الّذى أشهدته كلّ شاهد
وقال آخر :
لقد ظهرت فما تخفى على أحد * إلّا على أكمه لا يبصر القمرا
لكن بطنت بما أظهرت محتجبا * وكيف يبصر من بالعزّة استترا
وأهل طمأنينة الإيمان على قسمين ؛ باعتبار القرب والبعد : فمنهم من يطمئن بوجود الحق على نعت القرب والأنس ، وهم أهل المراقبة من الزهاد والصالحين ، والعلماء العابدين المجتهدين ، وهم متفاوتون في القرب على قدر تفرغهم من الشواغل والعلائق ، وعلى قدر التخلية والتحلية . ومنهم من يطمئن إليه على نعت البعد من قلبه ، وهم أهل الشواغل والشواغب ، والعلائق والعوائق . وعلامة القرب : وجود حلاوة المعاملة ، كلذيذ المناجاة ، والأنس به في الخلوات ، ووجود حلاوة القرآن والتدبر في معانيه ، حتى لا يشبع منه في كل أوان . وعلامة البعد : فقد الحلاوة المذكورة ، وعدم الأنس به في الخلوة ، وفقد حلاوة القرآن ، ولو كان من أعظم علماء اللسان . وأهل طمأنينة الشهود على قسمين أيضا : فمنهم من تشرق عليه الأنوار ، وتحيط به الأسرار ، فيغرق في الأنوار وتطمس عنه الآثار ، فيسكر ويغيب عن الأثر في شهود المؤثر ، ويسمى عندهم هذا المقام : مقام الفناء . ومنهم من يصحو من سكرته ، ويفيق من صعقته ، فيشهد المؤثر ، لا يحجبه جمعه عن فرقه ، ولا فرقه عن جمعه ، ولا يضره فناؤه عن بقائه ، ولا بقاؤه عن فنائه ، يعطى كل ذي حق حقه ، ويوفى كل ذي قسط قسطه ، وهو مقام البقاء ، ولا يصح وجوده إلّا بعد وجود ما قبله ، فلا بقاء إلا بعد الفناء ، ولا صحو إلا بعد السكر . ومن ترامى على هذا المقام - أعنى مقام البقاء - من غير تحقيق مقام السكر والفناء فهو لم يبرح عن مقام أهل الحجاب . واعلم أن طمأنينة الإيمان تزيد وتنقص ، وطمأنينة العيان ، إن حصلت ، تزيد ولا تنقص . فمواد أسباب زيادة طمأنينة الإيمان أشياء متعددة ، فمنهم من تزيد طمأنينته بالتفكر والاعتبار ، إمّا في عجائب المصنوعات وضروب المخلوقات ، فيطمئن إلى صانع عظيم القدرة باهر الحكمة . وإما بالنظر في معجزات الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وباهر علمه ، وعجائب حكمه وأسراره ، وإخباره بالأمور الغيبية السابقة والآتية ، مع كونه نبيا أميا . فإذا تحقق بمعرفة الرسول فقد