تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥
يقول الحق جل جلاله ، في وصف من سبقت له الهداية واتصف بالإنابة : هم
الَّذِينَ آمَنُوا
باللّه وبرسوله إيمانا تمكّن من قلوبهم ، واطمأنت إليه نفوسهم ؛ فإذا حركتهم الخواطر والهواجم ، أو فتن الزمان وأهواله
تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ
، وترتاح بذكر اللّه ؛ أنسا به ، واعتمادا عليه ورجاء منه ، أو بذكر رحمته بعد القلق من خشيته ، أو بذكر آلائه ودلائله الدالة على وجوده ووحدانيته ، أو بكلامه القرآن ، الذي هو أقوى المعجزات . قاله البيضاوي . وقال في القوت : معنى تطمئن بذكر اللّه : تهش وتستأنس به . قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي بعد كلام : والحاصل أن المراد من الطمأنينة : السكون إلى المذكور ، والأنس به ، ووجود الرّوح والفرح والانشراح ، والغنى به . ه . قال تعالى :
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
لا بغيره ، فلا تسكن إلا إليه ، ولا تعتمد إلا عليه ؛ فإن سكنت إلى غيره ذهب نورها ، وعظم قلقها .
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ
أي : لهم عيش طيب وحياة طيبة . أو الجنة ، أو شجرة فيها ،
وَحُسْنُ مَآبٍ
أي : مرجع يرجعون إليه بعد الموت . الإشارة : الطمأنينة على قسمين : طمأنينة إيمان ، وطمأنينة شهود وعيان . قوم اطمأنوا إلى غائب موجود ، وقوم إلى آخر مشهود . قوم اطمأنوا بوجود اللّه من طريق الإيمان على نعت الدليل والبرهان ، وقوم اطمأنوا بشهود اللّه من طريق العيان على نعت الذوق والوجدان . وهذه ثمرة الإكثار من ذكر اللّه . قال الشيخ الشاذلي رضي اللّه عنه : حقيقة الذكر : ما اطمأن بمعناه القلب ، وتجلى في حقائق سحاب أنوار سمائه الرب . ه . وقال الورتجبي : إن كان الإيمان من حيث الاعتقاد ، فطمأنينة القلب بالذكر ، وإن كان من حيث المشاهدة فطمأنينة القلوب باللّه وكشف وجوده . ه . فطمأنينة الإيمان لأهل التفكر والاعتبار من عامة أهل اليمين . وطمأنينة العيان لأهل الشهود والاستبصار من خاصة المقربين . أهل الأولى يستدلون بالأشياء على اللّه ، وأهل الثانية يستدلون باللّه على الأشياء ؛ فلا يرون إلا مظهر الأشياء . وشتان بين من يستدل به أو يستدل عليه ؛ المستدل به عرف الحق لأهله ، وأثبت الأمر من وجود أصله ، والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه . وإلا فمتى غاب حتى يستدل عليه ! ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه ؟ ! . كما في الحكم . وقال في المناجاة : « إلهي كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك ؟ ! . أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك ، حتى يكون هو المظهر لك ؟ ! متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك ؟ ! » .