تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 623

مساهمون:

ص٦٢٣
وترد ، من أزجيته ، دفعته . ومنه :
يُزْجِي سَحاباً
« 1 » قيل : كانت دراهم زيوفا وقيل : الصنوبر وحبة الخضراء . وقيل : سويق المقل أي : الدوم . وقيل : عروضا .
فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ
: أتممه لنا ،
وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا
بالمسامحة ، وقبول المزجاة ، أو بالزيادة على ثمننا . وهذا يقتضى أن الصدقة كانت حلالا على الأنبياء قبل نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو خلاف المشهور . أو برد أخينا ،
إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ
أحسن الجزاء . والتصدق : التفضل مطلقا ، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في القصر : « هذه صدقة تصدّق اللّه عليكم بها ، فأقبلوا صدقته » « 2 » . روى أن يعقوب عليه السّلام لما أرسلهم المرة الثالثة ليتحسسوا أخبار يوسف وأخيه ، أرسل معهم كتابا ونصه : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، من يعقوب الحزين إلى عزيز مصر ، ولو عرفت اسمك لذكرتك في كتابي هذا ، يا من اعتز بعز اللّه ، فاللّه يعز من يشاء ويذل من يشاء ، وإني أيها العزيز قد اشمأز قلبي ، وقطع الحزن أوصالى ، وإني ناه إلى الإقراح ، دائم البكاء والصياح ، وإني من نطفة آباء كرام ، فكيف يتولد اللصوص منى وأنا من الخصوص ! وقد أخبرت أنك وضعت الصّاع بالليل في رحل ولدي الأصغر ، وإني حزين عليه كما كنت حزينا على أخيه الفقيد ، حزنا دائما سرمدا شديدا . وإن كنت أفجعتنى في الآخر ، فإن قلبي لا محالة طائر . ثم ختمه بالسلام . فلما دفعوه ليوسف قرأه ، وبكى بكاء شديدا ، ثم دفعه لأخيه بنيامين فقرأه وبكى أيضا . ثم نزل عن سريره ، ثم دفع لهم الكتاب الذي كانوا كتبوه لمالك بن ذعر لمّا باعوه بخطوط شهادتهم ، كان أخذه من مالك حين باعه . فلما قرأوه تغيرت ألوانهم وتضعضعت أركانهم ، وبهتوا ، فقال لهم :
هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ
؛ من إيذاء يوسف ، وتفريقه من أبيه ، ومضرة أخيه من بعده ، فإنهم كانوا يذلونه ويشتمونه ، أي : هل علمتم قبحه فتبتم منه ؟ قاله نصحا وتحريضا لهم على التوبة .
إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ
أي : فعلتم ذلك حين كنتم جاهلين قبح ذلك . وإنما سماهم جاهلين ؛ لأن فعلهم حينئذ فعل الجهال ، أو لأنهم حينئذ كانوا صبيانا طياشين ، فعرفوه حينئذ على ظن ، فقالوا :
أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ
؟ بالاستفهام التقريرى . وقرأ ابن كثير على الإيجاب . قيل : عرفوه بذوائبه وشمائله حين نزل إليهم وكلمهم . وقيل : تبسم فعرفوه بثناياه . وقيل : رفع التاج عن رأسه فعرفوه بشامة كانت في رأسه بيضاء ، وكانت لسارة ويعقوب مثلها .
قالَ
لهم :
أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي
من أبى وأمي . ذكره تعريفا لنفسه به ، وتفخيما لشأنه ، وإدخالا له في المنة بقوله :
قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا
بالسلامة والكرامة والعز ،
إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ
اللّه
وَيَصْبِرْ
على بلواه ، وعلى طاعته وتقواه
فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
، وضع المحسنين موضع المضمر ؛ تنبيها على أن المحسن جمع بين الصبر والتقوى . فمن اتقى اللّه وصبر فهو محسن . .
هامش
( 1 ) من الآية 43 من سورة النور . ( 2 ) أخرجه مسلم في ( صلاة المسافرين ، باب صلاة المسافرين وقصرها ) من حديث سيدنا عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه .