الإشارة : روى أن إخوة يوسف لما رجعوا عنه صاروا لا ينزلون منزلا إلا أقبل عليهم أهل ذلك المنزل بالكرامات والضيافات ، فقال شمعون : لما قدمنا إلى مصر ما التفت إلينا أحد ، فلما رجعنا صار الناس كلهم يكرموننا ؟ فقال يهوذا : الآن أثر الملك عليكم ، ونور حضرته قد لاح عليكم . ه . قلت : وكذلك من قصد حضرة العارفين لا يرجع إلا محفوفا بالأنوار ، معمورا بالأسرار ، مقصودا بالكرامة والإبرار .
قوله تعالى :
فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا . . .
إلخ ؛ قال الأستاذ القشيري : المحبة غيور ؛ لما كان ليعقوب تسلّ عن يوسف برؤية بنيامين ، أبت المحبة إلا أن تظهر سلطانها بالكمال ، فغارت على بنيامين أن ينظر إليه يعقوب بعين يوسف . ه . قلت : وكذلك الحق تعالى غيور أن يرى في قلب حبيبه شيئا غيره ، فإذا رأى ذلك أزاله عنه ، وفرق بينه وبين ذلك الشيء ، حتى لا يحب شيئا سوى محبوبه . هذا مما يجده أهل الأذواق في قلوبهم .
وقوله تعالى في وصية يعقوب :
لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ
، فيه إشارة إلى أن الدخول على اللّه لا يكون من باب واحد بحيث يلتزم المريد حالة واحدة وطريقة واحدة ؛ كالعزلة فقط ، أو الخلطة فقط ، أو الصمت على الدوام ، أو ذكر الاسم على الدوام . بل لا بد من التلوين قبل التمكين وبعده ؛ فالعزلة على الدوام : مقام الضعف ، والخلطة من غير عزلة بطالة . بل لا يكون عارفا حتى يعرف اللّه ، ويكون قلبه معه في العزلة والخلطة ، والصمت والكلام ، والقبض والبسط ، والفقد والوجد ، ويترقى من ذكر الاسم إلى الفكرة والنظرة ، كما هو مقرر عند أهل الفن .
وقوله تعالى :
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ
، فيه تهييج على مقام التوكل ، وحث على الثقة باللّه في جميع الأمور . وفي ذلك يقول الشاعر :
توكّل على الرّحمن في كلّ حاجة * وثق باللّه ، دبّر الخلق أجمع
وضع عنك همّ الرّزق ؛ فالربّ ضامن * وكفّ عن الكونين والخلق أربع
قوله : « والخلق أربع » : أراد العالم العلوي والسفلى ، والدنيا والآخرة . وكلها أكوان مخلوقة يجب كف البصر والبصيرة عن الميل إليها ، والوقوف معها . واللّه تعالى أعلم .
ثم ذكر رجوعهم إلى مصر ، واتصال يوسف بأخيه ، وإمساكه عنده إلى أن اتصل بأبيه ، فقال :