تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 547

مساهمون:

ص٥٤٧
روى أنه أغلق بابه دون أضيافه ، وأخذ يجادلهم من وراء الباب ، فتسوروا الجدار ، فلما رأت الملائكة ما على لوط من الكرب ،
قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ
: لن يصلوا إلى إضرارك بإضرارنا ، فهون عليك ودعنا وإياهم . فخلاهم ، فلما دخلوا ضرب . جبريل عليه السّلام بجناحيه وجوههم ، فطمس أعينهم ، وأعماهم ، فخرجوا يقولون : النجاء ؛ النجاء في بيت لوط سحرة ، فقالت الملائكة للوط عليه السّلام :
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ
؛ سر بهم
بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ
: بطائفة منه ،
وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ
: لا يتخلف ، أو لا ينظر إلى ورائه ؛ لئلا يرى ما يهوله . والنهى في المعنى يتوجه إلى لوط ، وإن كان في اللفظ مسندا إلى أحد .
إِلَّا امْرَأَتَكَ
، اسمها : واهلة . أي : فلا تسر بها ، أو : ولا ينظر أحد منكم إلى ورائه إلا امرأتك ؛ فإنها تنظر . روى أنها خرجت معه ، فلما سمعت صوت العذاب التفتت وقالت : يا قوماه ، ؛ فأدركها حجر فقتلها ، ولذلك قال :
إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ
من العذاب ،
إِنَّ مَوْعِدَهُمُ
وقت
الصُّبْحُ
في نزول العذاب بهم ، فاستبطأ لوط وقت الصبح ، وقال : هلا عذبوا الآن ؟ فقالوا :
أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ
.
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا
؛ عذابنا ، أو أمرنا به ،
جَعَلْنا
مدائنهم
عالِيَها سافِلَها
، روى أن جبريل عليه السّلام أدخل جناحه تحت مدائنهم ، ورفعها إلى السماء ، حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب ، وصياح الديكة ، ثم قلبها بهم .
وَأَمْطَرْنا عَلَيْها
؛ على المدائن ، أي : أهلها ، أو على ما حولها . روى أنه من كان منهم خارج المدائن أصابته الحجارة من السماء ، وأما من كان في المدائن ، فهلك لمّا قلبت . فأرسلنا عليهم
حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ
: من طين طبخ بالنار ، أو من طين متحجر كقوله :
حِجارَةً مِنْ طِينٍ
« 1 » ، وأصلها : سنكين « 2 » ، ثم عرب ، وقيل : إنه من أسجله إذا أرسله ، أي : من مثل الشيء المرسل ، وقيل : أصله من سجين ، أي : جهنم ، ثم أبدلت نونه لاما ،
مَنْضُودٍ
: مضموم بعضه فوق بعض ، معدا لعذابهم ، أو متتابع يتبع بعضه بعضا في الإرسال ، كقطر الأمطار .
مُسَوَّمَةً
أي : معلمة للعذاب ، وقيل : معلمة ببياض وحمرة ، أو بسيما تتميز به عن حجارة الأرض ، أو باسم من يرمى به ؛ فكل حجارة كان فيها اسم من ترمى به ، وقوله :
عِنْدَ رَبِّكَ
، أي : في خزائن علمه وقدرته ،
وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ
، بل هي قريبة من كل ظالم . قال ابن جزى : الضمير للحجارة ، والمراد بالظالمين : كفار قريش ، فهذا تهديد لهم ، أي : ليس الرمي بالحجارة ببعيد منهم ؛ لأجل كفرهم ، وقيل : الضمير للمدائن ، أي : ليست مدائنهم ببعيد منهم ؛ أفلا يعتبرون بها . كقوله :
هامش
( 1 ) من الآية 33 من سورة الذاريات . ( 2 ) في البيضاوي : « سنك كل » .