تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 546

مساهمون:

ص٥٤٦
وفي ( أسر ) لغتان : قطع الهمزة ، من الإسراء ، ووصلها من السّرى ، وقرىء بهما معا ، و ( إلا امرأتك ) بالرفع ؛ بدل من ( أحد ) ، وبالنصب ؛ منصوب بالاستثناء من ( فأسر بأهلك ) . ومنشأ القراءتين : هل أخرجها معه ، فالتفت أم لا ؟ فمن رفع ذهب إلى أنه أخرجها . ومن نصب ذهب إلى أنه لم يسر بها ، وهما روايتان . يقول الحق جل جلاله :
وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا
، وهم الملائكة المتقدمون ،
لُوطاً سِيءَ بِهِمْ
ساءه مجيئهم ؛ لأنهم أتوه في صورة غلمان حسان الوجوه ، فظن أنهم بشر ، فخاف عليهم من قومه أن يقصدوهم للفاحشة ، ولا يقدر على مدافعتهم ،
وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً
أي : ضاق صدره بهم ،
وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ
: شديد ، من عصبه : إذا شده ، وروي أن اللّه تعالى قال لهم : لا تهلكوا قومه حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات ، فلما مشى معهم منطلقا بهم إلى منزله ، قال لهم : أما بلغكم أمر هذه القرية ؟ قالوا : وما أمرهم ؟ قال : أشهد باللّه أنها شرّ قرية في الأرض عملا . قال ذلك أربع مرات . فدخلوا منزله ، ولم يعلم بذلك أحد ، فخرجت امرأته فأخبرتهم ،
وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ
؛ يسرعون
إِلَيْهِ
كأنهم يدفعون إليه دفعا ، لطلب الفاحشة من أضيافه .
وَمِنْ قَبْلُ
ذلك الوقت
كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ
؛ الفواحش ، كاللواطة وغيرها ، مستمرين عليها مجاهرين بها ، حتى لم يستحيوا ، وجاءوا يهرعون إليها .
قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي
تزوجوهن ، وكانوا يطلبونهن قبل ، فلا يجيبهم لخبثهم ، وعدم كفاءتهم ، لا لحرمة المسلمات على الكفار ، فإنه شرع طارئ ؛ قال ابن جزى : وإنما قال لهم ذلك ؛ ليقى أضيافه ببناته . قيل : ان اسم بناته ، الواحدة : ريثا ، والأخرى : غوثا . ه . ولم يذكر الثالثة ، فعرضهن عليهم « 1 » ، وقال :
هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ
؛ أحل لكم ، أو أقل فحشا ، كقولك : الميتة أطيب من المغصوب ،
فَاتَّقُوا اللَّهَ
بترك الفواحش ،
وَلا تُخْزُونِ
؛ لا تفضحونى
فِي ضَيْفِي
؛ في شأنهم ، فإن افتضاح ضيف الرجل خزى له .
أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ
؛ عاقل يهتدى إلى الحق ويرعوى عن القبيح .
قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ
؛ من حاجة ،
وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ
وهو إتيان الذكران ،
قالَ لَوْ أَنَّ لِي
؛ ليت لي
بِكُمْ قُوَّةً
؛ طاقة على دفعكم بنفسي ،
أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ
؛ أو ألجأ إلى أصحاب أو عشيرة يحموننى منكم ، شبه ما يتمتع بهم بركن الجبل في شدته ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « رحم اللّه أخي لوطا لقد كان يأوى إلى ركن شديد » « 2 » يعنى : اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) قال مجاهد وغيره : إن المراد ببناته عليه السّلام نساء أمته ، وأضافهم إليه ؛ لأن كل نبي أب لأمته . ( 2 ) أخرجه البخاري في ( أحاديث الأنبياء ، باب : « ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون » ) .